مطيع… الذي علّم الدبلوماسية الجنوبية كيف تبحر إلى العالم
لم يكن محمد صالح عبدالله القعيطي اليافعي، الشهير باسمه الحركي “مطيع”، مجرد وزير، بل كان مدرسة متكاملة في السياسة والدبلوماسية والأخلاق.
عرفت الرجل عن قرب، ورافقته سنوات كانت طوفاناً إقليمياً وعالمياً. تعلمت منه الكثير، وما أكتبه اليوم ليس رثاءً، بل شهادة وفاء لتلميذ تتلمذ على يد أستاذه في وزارة الخارجية.
من هندسة الأمن إلى هندسة الدبلوماسية
تخرج مطيع بدبلوم هندسة من المعهد الفني في عدن، لكن مساره كان أكبر من شهادة. نشأ في أسرة يافعية أصيلة، عصامي شق طريقه باجتهاده.
عُيّن وزيراً للداخلية عام 1969 ، في مرحلة بالغة التعقيد بعد الاستقلال، فثبّت دعائم الأمن والاستقرار في كل الجنوب. ثم *في عام 1973 تولى حقيبة الخارجية*، وفي ذروة تحولات الحرب الباردة، قاد سفينة الدبلوماسية الجنوبية فأبحر بها من عزلة الجبال إلى أعماق البحار، إلى عواصم العالم.
كان شخصية فذة جمعت بين النقيضين: قوة الدولة ورحمة الإنسان، ذكاء السياسي وحنكة الدبلوماسي، شعلة نشاط لا تنطفئ وابتسامة لا تفارق شفتيه. كان متيماً بالرياضة والفن، موسوعي الثقافة.
عملت تحت إشرافه مباشرة في وزارة الخارجية، وشاركت معه في اجتماعات وزراء الخارجية العرب، وفي زياراته إلى العراق والكويت وصنعاء، ولقاءاته مع شخصيات يمنية كثيره قبل أن تُسمم أجواء العلاقة بين رفاق السلاح.
مدرسة دبلوماسية اسمها “الحوار”
عندما تولى الخارجية، حولها من وزارة مغلقة الأبواب إلى معلم فريد يهفو إليه أبناء الجنوب. جعل شعلتها الحوار والتفاوض والمصالح المشتركة والانفتاح على الجوار.
لم يكن يرى الدبلوماسية صراخاً، بل فن بناء الجسور. تنقل بين دول العالم، عرف الدنيا وعرفته، وأنشأ دبلوماسية نشطة مستقرة. كان يملك ذبذبات إنسانية عجيبة، قادر على مد خيوط الصداقة والمودة مع كل من عرفه، حتى في لقاء عابر.
كان حلمه واضحاً: بناء دولة النظام والقانون، وأن يعم الرخاء الاقتصادي في كل ربوع الوطن.
*الشهادة الدولية: استثناء في زمن الاستثناءات*
وصفه وزراء الخارجية العرب الذين عرفوه بأنه *”استثناء في زمن الاستثناءات”*، دبلوماسي من الطراز الرفيع حطم عزلة بلاده بفتح قنوات التواصل مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج والولايات المتحدة.
ويروي عضو الكونغرس الأمريكي السابق بول فندلي في كتابه الشهير *”من يجرؤ على الكلام” They Dare to Speak Out* هذه الواقعة التي تلخص حكمته:
سأل فندلي مطيع: هل يمكنني أن أقوم بدور لقيام علاقات دبلوماسية بين عدن والرياض؟
فأجاب مطيع إجابة دبلوماسية راقية خالدة: *”الماضي لم يكن حسناً، غير أن الحاضر يبدو أفضل”.*
النهاية الغادرة
في عام 1981، انتهت رحلة هذا الرجل العظيم غدراً. أُعدم على يد من كانوا يوماً رفاقه في درب التحرر والاستقلال، بعد أن نجح أعداء الجنوب في اختراق قيادة الحزب والدولة وتسميم الأجواء بين أبطال استقلال 1967.
رحم الله مطيع الإنسان الخلوق، السياسي والدبلوماسي المحنك، وأسكنه فسيح جناته. ستبقى ذكراه خالدة في قلوبنا.