آخر تحديث :الجمعة - 19 أبريل 2024 - 08:24 ص

من تاريخ عدن


العادات الجميلة للمجتمع العدني في شهر رمضان

الأربعاء - 24 أبريل 2019 - 08:52 م بتوقيت عدن

العادات الجميلة للمجتمع العدني في شهر رمضان

عدن تايم / اعداد: خالد شفيق أمان

ونحن على اعتاب شهر رمضان الفضيل استوقفتني مشاهد كثيرة جعلتني استحضر العادات الجميلة للمجتمع العدني في فترة الستينات والسبعينات والثمانينات التي لازالت عالقة في الذاكرة ولن ولم تمحى بتقادم السنين ، لأن تلك الفترة كانت مقارنة باليوم اشبه بالحلم الجميل .

واولى تلك المشاهد حالة الأسواق في عدن من حيث الإزدحام الشديد والفوضى المرورية والإنقطاعات للكهرباء والمياه وإرتفاع الأسعار وغياب أجهزة الرقابة الحكومية والإنفلات الأمني والجريمة وأوضاع النظافة في الأسواق والأحياء السكنية وجشع التجار كبار وصغار ، وغياب كثير من العادات القديمة التي كانت تظهر مع اقتراب شهر رمضان ، ومنها التراحم بين الناس والتعاون فيما بينهم وخاصة في الأحياء الشعبية لإحياء ليالي رمضان بمودة ومحبة وألفة وتقارب ، والحرص على ان يكون نهار رمضان للعمل والعبادة وليس للنوم ، و وتلاوة القرآن والإكثار من تلاوته ، كل هذة المشاهد مرت في مخيلتي وانا اتجول في شوارع عدن ، فعدت بالذاكرة لأدون مشاهد من الماضي الجميل ، مشاهد لمجتمع عدني جنوبي أصيل ، مشاهد افتقدناها كثيراً في زحمة الحياة ومصاعبها .

كانت العشر الأواخر من شهر شعبان أيام يتهيأ الناس فيها لإستقبال شهر رمضان ، وللأمانة لم تكن هناك أسرة يساورها القلق من عدم تمكنها من توفير احتياجات شهر رمضان كما هو اليوم ، بل كان كل المجتمع العدني يوفر إحتياجاته بكل يسر وسهولة ، لايخشى الغلاء و إرتفاع ألاسعار ولا الغش والطمع ولا فوضى المرور ولاخوف من لصوص وبلاطجة ، فتلك مصطلحات لم يعرفها مجتمعنا الا بعد العام 90م ،

ربات البيوت كن ينزلن الى الأسواق ويشترين إحتياجات رمضان دون مبالغة ، وكن يتوجهن الى محلات ( الكشي ) وهي محلات لبيع البهارات ومتطلبات رمضان كـالعتر والشوربة والكستر ( اللبنية ) والبدنج و ( البدامي ) واللوب والدجرة وكذا دقيق ( الفورولي ) وانواع البهارات التي تميز مائدة رمضان عن بقية شهور السنة ، ويتجولن بالأسواق بكل حرية ، لامنغصات ولا أعين خائنة ترقب حركتهن في هذا الشهر الفضيل .

اما أرباب الأسر فكانوا يهتمون بأمور اخرى فيذهبوا الى اسواق اللحوم ومشتقاتها كالدقة والكبدة واسواق الخضار لتوفير احتياجاتهم ، ويهتموا ايضاً بشراء بعض الحلويات لأطفالهم ، وكذا بعض الألعاب التي دأب المجتمع العدني على إحياءها في الأحياء الشعبية في شهر رمضان مثل لعبة الكيرم والدمنة والبطة ( الكوتشينه ) والفتاتير للأطفال الأصغر سناً ، وكان البعض من الأباء يقوم بشراء اسلاك كهربائية وسراجات لإضاءة الشارع من منزله ليقوم الشباب باللعب على اضواءها ، اما الصغار فتجد الفرحة في وجههم ترتسم بعد صلاة المغرب ، فيخرجون الى الحارات واللعب تحت الاضواء مرددين اغاني رمضان بكل براءة ، ويمارسون بعض الالعاب مثل لعبة ( التابو ) وهي لعبة قديمة حيث يغمض احد الاطفال عينيه على جدار صغير ويعد من واحد الى عشرة او عشرين ويسارع بقية الأطفال بالاختباء في اماكن مختلفة قريبة من الجدار تم يفتح عينيه ويحاول ان يبحث عن المختبئين واحداً واحداً ويسمي بأسمائهم كلما رأى واحد منهم فأذا تمكن احد المختبئين من مغالطته والاسراع الى الجدار ولمسه ويصيح ( تابو ) يعود الطفل مرة اخرى بإغماض عينية ويختبى البقية وهكذا .

اما البنات الصغيرات الزهرات الجميلات فكن يلعبن لعبة ( الشبدلو ) وهي لعبة معروفة حيث يتم رسم مستطيل طويل على الارض بواسطة الطباشير ويتم تقسيمه الى عشرة مربعات متجانبه خمسة بخمسة ويلعبها اكثر من واحدة ، حيث تبدأ الأولى برمي حجرة صغيرة مسطحة داخل المربع والقفز عليه ، تسمى هذة الحجرة بـ ( التبارة ) ،

وبعض الفتيان يلعبون لعبة ( من كبة طيار ) وهذة اللعبة يلعبها اكثر من 5 او 6 او 7 من الفتيان حيث يأخد كل واحد منهم حجراً ويضعها ليشكل مع بقية الفتيان دائرة من الاحجار المتباعدة عن بعضها البعض بمسافة من متر الى مترين ، وتوضع في وسط هذة الدائرة حجراً فاضية ، يقف كل واحد امام حجرته فيما يقف في بداية اللعبة واحداً في الحجر التي تتوسط الدائرة وتبدأ اللعبة ، يصيح الواقف في الوسع ( من كبة طيار ) يجيبوه ( طيار ) ويستمر ليناور معهم قبل ان يقول ( ماحد يمسك مكان فلان ) في هذة اللحظة بمجرد ان يذكر اسم الشخص يسارع كل واحد بالجري لينتقل من حجرته الى حجر اخر ، ومن لم يجد حجراً شاغراً غير تلك التي نبه اليها الشخص الذي بالوسط فهنا يقوموا بخبطه على يديه سبع خبطات حتى تحمر وتبدأ اللعبة من جديد .

وهناك العاب كثيرة ايضاً مثل سبع الصاد حيث يلعبها الفتيان والفتيات ، ولعبة العصا وهذة يلعبها الشباب ، بالاضافة الى الالعاب الذهنية مثل الشطرنج وبعض المسابقات التي كانت تنظم في بعض المراكز والأندية الثقافية .
‫‬
دعونا نتذكر صباحات شهر رمضان ..

ينهض العمال والموظفين للذهاب الى اعمالهم كالعادة ، فوقت الدوام يتأخر ساعة واحدة فقط عن موعدة الرسمي فبدلاً من السابعة صباحاً يبدأ في الثامنة صباحاً ، اما وتيرة العمل فهي نفسها لاتجد من يجعل من صيامه مبرراً للتقاعس والتململ من اداء مهام وظيفته ، ولم تكن مؤسسات ومرافق العمل تمنح أكثر من 80% من العمالة لديها أجازة في شهر رمضان وتخليها من الموظفين والعاملين كما هو حاصل اليوم ، فشهر رمضان كما هو شهر الصيام والعبادة فقد كان العمل فيه لايتوقف ولايتراجع ادائه وبخاصة في تلك المرافق الخدمية الحيوية التي تتعامل مع المواطنين في توفير مايلزم لهم .

وعندما يعود العمال من مرافقهم يحرصون على البقاء في المساجد حتى يحين موعد اذان العصر ، اما الشباب والاطفال فبعد ان يعودوا من مدارسهم وكلياتهم يذهبوا الى المساجد ظهراً لقراءة القرآن ولأداء صلاة العصر ، فالمساجد كانت مفتوحة بإستمرار ولاتغلق ابوابها كما هو الحال اليوم .

وكن ربات البيوت من العاملات يعدن من اعمالهن الى منازلهن ليبدأن في تجهيز موائد الإفطار التي تشتمل على آكلات مميزة ومتنوعة مثل الشوربة والشقوت والعتر والسمبوسة والباجية والمطبق والخمير والمدربش واللحوح والفرولي واللبنية والبدامي والبدنج والشتني واللوب والكاتليس والتمر والقهوة الملبن ، وبعد الفطور واداء صلاة المغرب تبدأ وجبة العشاء الرز والصانونة او اللحم او الدجاج او كبدة وروتي ويختلف العشاء من منزل لآخر ،

لكن ماكان يميز المجتمع العدني ان الأسر كانت تتبادل وجبات الافطار والعشاء في مابينها ، فتجد قبل آذان المغرب الفتيان والفتيات يحملن على رؤوسهم الصحون الكبيرة الممتلئة بالطعام ويتنقلوا بها من بيت الى اخر وهكذا ، وهذة العادة لم تنقطع حتى اليوم وان كانت قد انخفضت بعض الشي نتيجة للعوز .

وبعد ان يفرغ الرجال والشباب من صلاة العشاء والتراويح تكون شوارع الأحياء الشعبية في منظر بهيج ، الأضواء تملؤها ، والأطفال يمرحون ويتسابقون ويجرون ويلعبون ، اصواتهم لازلت اسمعها حتى اللحظة في أذني كالموسيقى بالرغم من انه قد مر على ذلك الزمان سنوات طويلة ، لم يكن القات يشغل الرجال كثيراً في رمضان ، اما الشباب فلا يعرفوه ، فقد كان في المجتمع العدني بدائل كثيرة تغني الشباب عن مضغ القات ومنها ما ذكرنا سابقاً ، ومنها ايضاً تلك البرامج الرياضية والثقافية التي كانت تنظم في بعض المدارس والأندية الرياضية والثقافية التي كانت اماكن لتجمع الشباب في المساء يقضون فيها اوقاتهم حتى منتصف الليل في مزاولة كثير من الالعاب الرياضية مثل الكرة الطايرة والريشة الطايرة وغيرها من المسابقات التنافسية التي كانت تنظم في العاب الساحة والميدان والعاب القوى ورفع الأثقال وكمال الأجسام .

وهناك من الشباب من يذهب بعد ذلك الى الاسواق لقضاء الوقت وتناول بعض المرطبات ، ومشاهدة بعض المحلات التجارية للبدء في حجز ملابس العيد .

وهنا لابد من الاشارة الى مسألة غاية في الأهمية ، ان بقاء الأطفال والشباب في الشوارع في ليالي رمضان لايستمر الا لغاية الساعة العاشرة او الحادية عشر مساءاً ، فكانت الأسر تحرص على بقاء اولادهم في بيوتهم يخلدوا للنوم ليصحوا مبكرين للذهاب الى مدارسهم وكلياتهم واعمالهم .

المسحراتي ووجبة السحور

المسحراتي هو شخص متدين متطوع يقوم بمهمة ايقاظ الناس من نومهم لتناول وجبة السحور التي تعتبر سنة من سنن الصيام ، فنجده يلف بقدميه الشوارع قارعاً طبلاً صغيراً مردداً عبارة ( سحورك يا صايم .. وحد الدايم ) ، وذلك يكون تقريباً بدءاً من الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، والسحور يكون عبارة عن فتة خبز ولبن او مُعبل مع اللبن او مُعبل مع العسل والهريس او الجبيز ، والمُعبل هو وجبة عدنية اختفت اليوم ، لكنني وجدت في العام الماضي منزلاً صغيراً في حي الطويلة بكريتر لأسرة عدنية فقيرة تبيع المعبل ، وهو جميل وله طعم لذيذ ، الى جانب ان وجبة السحور تكون ايضاً من بقايا وجبة العشاء اذا كانت رز ولحم او كبدة وخبز او شوربة وشفوت وغيرها .

الحديث اعزائي عن العادات الطيبة لابناء عدن في شهر رمضان يطول لأن هناك مشاهد كثيرة ومتعددة والمجال لايتسع ، وقد اوردنا ابرز تلك العادات وكل ما استطعنا ان نتذكره ، لنطلع القارئ على ذلك العهد الجميل والناس الطيبين الذين عايشوه ، حيث لايوجد مقارنة البتة بين الأمس واليوم وخاصة في مايتعلق ببعض الجوانب التي اشرنا اليها سلفاً ، الا ان الأسر العدنية كثيراً منها لازال محافظاً على بعض العادات رغم المعاناة والعوز والفقر والأحزان والآلام وعدم الإستقرار في المعيشة وفي الأمن و و و …

لكننا مع ذلك حاولنا ان نسرد بقايا تلك العادات ، في الوقت الذي نتآلم فيه لماضٍ جميل انقضى وحل محله حاضر مُزري سعى ليقضي على كل شي جميل ، ولكنه فشل لأنه غيًر ماهو خارجي اي ماهو موجود في البيئة المحيطة بالمجتمع العدني ، اما ماهو موجود في نفوس ابناء عدن وعقولهم ودواخلهم فلازال موجوداً كما هو عليه ، لن يتغيًر ولن يتبدل ، وسيأتي اليوم الذي تعود فيه الحياة في شهر رمضان الى سابق عاهدها بأذن الله .