تحقيقات وحوارات

السبت - 09 يوليه 2016 - الساعة 07:25 م

المكلا / مروان اليزيدي :

في ليلة رمضانية مررت بجوار الميناء القديم في حي الشهيد خالد وفجأة أمطرت السماء وخشيت أن تزداد المطر غزارة و تبتل ملابسي لم أجد أمامي مكان التجئ إليه إلا دكان الشاؤوش صائغ الذهب المعروف الواقع في حافة الهنود و دخلت لأجد العم محمد عمر الشاؤش (أبو ناصر) و ابنه وليد ، وسرعان ما بدأنا نتبادل بعض أطراف الحديث عن هموم الناس في الشهر الفضيل ، و إذا بنا نتحدث عن الماضي و أيام السلطنة القعيطية و العم محمد الشاؤوش أطال الله عمره يعتبر من المعاصرين لحقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
و توجهت بالسؤال إلى العم محمد عن مهنة صياغة الذهب متى ظهرت و لماذا يسمى هذا الحي حافة الهنود و إذا أبو ناصر يمتعنا و يحكي لنا قصص مشوقة ممزوجة بعبق الماضي الجميل الذي كانت تسوده البساطة و التبادل التجاري و الهجرة الحضرمية إلى بقاع السواحل المترامية الأطراف في أفريقيا و أسيا ، و أثرانا بالحديث المثير للاهتمام عن بعض الحرفيين و التجار و الأطباء الهنود (البونيان) الذين عاشوا فترات زمنية طويلة في مدينة المكلا أيام السلطنة القعيطية و دورهم البارز في خدمة المجتمع بالتجارة و الطب .
وكان معظم الحديث عن الصائغ الهندي كاكو بوسالم الذي عاش بمدينة المكلا سنوات طوال و يعرفه الكثير من الجيل المعاصر لفترة الخمسينات و الستينات و لا يزال البعض يسمع عنه حتى اليوم من كبار السن الذين عرفوه أو سمعوا عنه .
و اخبرني العم محمد أن الدكان الصغير الذي نجلس الآن بداخله و نتبادل الأحاديث كان في السابق أول معمل لـكاكو بوسالم و عمل فيه سنوات قبل أن يسلمه إلى أل الشاؤوش و ينتقل إلى مكان مجاور اكبر مساحة لزيادة نشاطه التجاري ذاك الوقت .
أبو ناصر يعود بنا خمسين عاما إلى الوراء لنعيش لحظات مع التاريخ و لنتعرف على الصائغ الذهب الشهير كاكو بوسالم الذي يعتبر أول من ادخل هذه المهنة إلى المكلا و تعلم منه صاغه حضارم أسرار هذه الحرفة ، وإليكم ما قاله أبو ناصر من حديث ممتع :

من هو كاكو بو سالم و كيف كانت علاقته مع سكان مدينة المكلا

هو احد التجار الهنود (البونيان) الذين وصلوا إلى مدينة المكلا للعمل في مهنة صياغة الذهب خلال فترة حكم السلطان صالح بن غالب القعيطي ، و اسمه الحقيقي ( كاكو موهان ليلالجي ) و أطلق عليه بو سالم لأنه كان يطلق هذا الاسم على نفسه و يعتزي بلقب بوسالم ، وكان الناس يسمونه بأول اسم له كاكو و أضافوا له لقب بوسالم فـسمي كاكو بوسالم .
و يعتبر أول صائغ للذهب عرفته المدينة و ظل سنوات طويلة الشخص الوحيد الذي يعمل في هذه المهنة إلى أن تعلم على يده بعض الحضارم و من ثم عملوا بهذه المهنة منفصلين عنه .
كانت علاقته ومعاملاته مع أهالي المكلا جيده جداً و أحبه الناس كثيراً لأخلاقه العالية و تعامله الصادق مع الجميع ، أضف إلى انه كان محبوب عند سكان المدينة في تلك الفترة و الجميع يعرفه لشهرته الواسعة في المكلا .

من هم الحضارم الذين علمهم المهنة

بالرغم من أن لديه عمال هنود ماهرين في ورشة الصياغة التي يملكها ، إلا انه وفر عمل لبعض أبناء المكلا ليساعدهم في كسب رزقهم و يعلمهم المهنة ، وتعلم على يده الكثير أذكر منهم أل باحشوان و عمر الحاشي و عبدالله الصقع وأولاده و أبناء علي الشاؤوش محمد وسالم سعيد ، و بعد فترة افتتح هؤلاء الصاغه الذين تعلموا على يده ورشهم خاصة و كان هناك تنافس بينهم فيما بينهم في السوق المحلي .

بعض مواقفه الإنسانية

يخبرنا أبو ناصر أن هناك امرأة ارتكبت جريمة قتل وصدر حكم ضدها بدفع الدية أو القصاص و عندما عـلم كاكو بوسالم بقصة المرأة قام بمساعدتها و دفع الدية عنها حفاظا على حياتها من القصاص ، و اكبر خدمة إنسانية هي انه لم يتجاهل أبناء المكلا وقام بتعليم البعض منهم حرفة صياغة الذهب ليصبحوا من الحرفيين المتمكنين .

لماذا سمي سوق الهنود وكيف كان النشاط التجاري في الخمسينات و الستينات

سمي سوق الهنود تلك الأيام لأن معظم التجار فيه هم من الهنود العاملين في الصياغة و التجارة الأقمشة و غيرها وكانوا يسكنون في نفس المنطقة و أطلق عيها حافة الهنود و سوق الهنود ، و كان النشاط التجاري كبير بين حضرموت و الهند و دول شرق أسيا و السبب الرئيسي أن عدن كانت مستعمرة بريطانية و حضرموت تعتبر من ضمن المحميات البريطانية و الهند من دول الكومنولث و كذلك كان سلاطين الدولة القعيطية لهم ارتباط وثيق بالهند مما سهل التبادل التجاري و جعلها في تزايد مستمر دون صعوبات تذكر.

من هم الهنود الآخرين المقيمين في المكلا تلك الفترة و ساهموا في خدمة المجتمع

الشاؤوش يتذكر بعض التجار و الأطباء الهنود البونيان في مدينة المكلا أيام السلطنة القعيطية ، منهم ( روشن ) تاجر الأقمشة الهندي وكان يستورد الأقمشة بكميات تجارية و ثم يقوم ببيعها على المحلات الأخرى بالمكلا ، و الهندي ( واركاداس ) كان أيضا تاجر أقمشة و لكن تجارته محدودة ليست بحجم تجارة روشن .
و الصائغ ( منقر) و شقيقه المصور( نقع ) ، كان منقر يعمل في صياغة الذهب و لكنه كان عمله محدود و لم يشتهر بهذه الحرفة مثل كاكو بو سالم ، و نقع كان مصور فوتوغرافي و يعتبر من أوائل المصورين في مدينة المكلا .
ومن أوائل الأطباء الهنود في المدينة هم الدكتور (رندا) و الدكتور ( كريكر) كانوا أطباء ماهرين جداً و اعتبرهم ممتازين و مخلصين للغاية في مهنتهم و كانوا يتعاملون بإنسانية و أخلاق و تواضع و لم أراء في حياتي أي أطباء يتمتعون بصفاتهم الإنسانية و الأخلاقية .

متى غادر كاكو بوسالم مدينة المكلا

بعد أن افتتح بعض العاملين الذين تدربوا على يديه محلات صياغة خاصة بهم و كثر الصاغه في المدينة انخفض نشاط عمله في هذا المجال و بدأ في الاتجاه إلى عمل أخر هو استيراد شباك صيد الأسماك و كان وكيل لشركة يابانية ماركة أبو (طير) و ظل يعمل فترة زمنية في استيراد الشباك ومعدات الاصطياد ، وبعد الاستقلال و انتهاء حكم السلطنة القعيطية غادر بوسالم المكلا متوجها إلى مدينة عدن ليعيش فيها فترة في بيته الذي يملكه هناك ، وانقطعت أخباره بعدها ولا عـلم لدي هل عاد إلى بلده الهند أم توفي في عدن .

المكلا ما بين الحاضر و الماضي

يقول أبو ناصر أيام السلطنة القعيطية كانت الحياة بسيطة و كان الناس متكاثفين و متآلفين فيما بينهم يعيشون و كأنهم عائلة واحدة ، وكان الجار يشعر بجاره في الأفراح والأحزان ، لم تكن الحياة معقدة مثل ما هي عليه حاليا ، و في وقتنا الحاضر و للأسف ظهرت سلبيات كثيرة في أخلاقيات بعض الناس بمجتمعنا ، و اختتم حديثه بالقول أتمنى أن يعود الناس إلى عادات و قيم الآباء والأجداد في تعاملاتهم الاجتماعية فيما بينهم وحتى مع الشخص الغريب و عليهم تربية أبنائهم على هذه القيم الإنسانية النبيلة التي ورثناها من الأجداد ، و كانت آخر عبارته ( كان الله في العون ) .