تحقيقات وحوارات

الأحد - 21 مارس 2021 - الساعة 09:07 م

عدن تايم / بسام القاضي

لم يكن الشاب الثلاثيني”و.م.ق” القاطن مدينة البريقة غربي عدن الساحلية بجنوب اليمن، يعلم أنه مصاب بفيروس كورونا إلاَ حينما قام بعمل مسحة PCR ليُسمح له بالمغادرة إلى السعودية، ليجد نفسه فجأة مصاباً بالفيروس التاجي.

يحكي: “لم أصدق ذلك مطلقًا، كوني لم أعانِ خلال الأسبوعين الماضيين سوى من حمى خفيفة وألم بالمفاصل، ظننتها انفلونزا موسمية، فعاودتُ الفحص مجددًا في مختبر آخر لتأتي النتيجة مؤكدة للإصابة، كررتُ الفحص للمرة الثالثة والنتيجة إيضًا إيجابية”.

ومع التوقعات لموجة أخرى من كوفيد19، يجري الحديث للمرة الأولى دراسة بحثية رصدت الوضع الوبائي لمرض كوفيد ـ19 في عدن والمكلا، وأفادتْ بأن معدل انتشار الأجسام المضادة لفيروس (SARS-COV2) المسبب للمتلازمة الرئوية الحادة الوخيمة بين السكان حسب الجنس والفئة العمرية خلال 2020 بلغتْ 27.4%. 23 % لدى الأطفال دون سن الخامسة، إلى 25.2 % في أولئك الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا، فيما كان معدل الانتشار للمضادات المصلية لدى الإناث أعلى ( 32 %) من الذكور( 23%) وعلى مستوى المديريات فان أعلى معدل انتشارٍ كان بين عينة الدراسة في مديرية المنصورة ( 33%).

.. وكان حجم العينة بناءً على معادلات إحصائية هو 2001 مشاركًا من جميع الفئات العمرية ومن كلي الجنسين من أربع مديريات في محافظة عدن، وتم اختيار عينة الدراسة باتباع طريقة الاعتيان متعدد المراحل.

وقامتْ الدراسة بتقدير نسبة الإصابات عديمة الأعراض في السكان وتحديد عوامل خطر الإصابة بمقارنة تعرض الأفراد المصابين وغير المصابين، وحصر الوفيات المحتملة بسبب الكوفيد-19 في أسر الأشخاص الذين تمتْ مقابلتهم.

والدراسة التي “لم تنشر بعد” قام بها أ.د. عبدالله سالم بن غوث أستاذ طب المجتمع جامعة حضرموت وزميله د. شيخ عبدالحافظ الشطيري الأستاذ المساعد لعلم الأحياء الدقيقة والمناعة في كلية الطب والعلوم الصحية ـجامعة عدن، بمشاركة خبراء من منظمة الصحة العالمية، وأُنجزتْ بتمويلٍ من منظمة الصحة العالمية، وأعلنتْ نتائجها رسميًا الثلاثاء الماضي بحضور وزير الصحة العامة والسكان اليمني د. قاسم محمد بحيبح، وممثل المنظمة الأممية في اليمن د. ادهم سليمان، ود. نهى محمود مديرة مكتب المنظمة في عدن، أوصتْ الدراسة بضرورة توسيع مسوحات انتشار المضادات المصلية لفيروس كورونا المستجد إلى محافظات أخرى في اليمن.

ووصف د. قاسم بحيبح الدراسة البحثية بالجيدة من حيث تصميمها ونتائجها، مشيرًا إلى حاجة البلد لدراساتٍ أخرى أوسع في ظل موجة ثانية قوية من جائحة كورونا تشهدها اليمن، مؤكداً بأن وزارته تتابع إجراءات وصول اللقاح، وهو ما سيعزز من علاج الوباء والتخفيف من مضاعفاته، داعيًا إلى الحذر والالتزام بالإرشادات الصحية.

وحول تقييم وزارة الصحة للوضع الحالي لموجه فيروس كورونا الثانية، قال الوزير بحيبح: “نعيش طورًا متصاعدًا وخطيرًا من الموجة الثانية ونخشى الأسوأ، لافتًا إلى أنّ الوزارة قامتْ بتزويد مراكز العزل بالإمكانيات المتاحة من مستلزمات وأدوية، لكنّه جدّد دعوته للحذر والالتزام بالإجراءات الاحترازية والوقائية والتباعد الاجتماعي وارتداء الماسكات في الخارج.

وذهب في معرض رده عن سؤال عن “لماذا لم تحدث مناعة القطيع التي تحدث عنها كثيرون في اليمن؟” إلى القول بأنّ “مناعة القطيع لم تحدث في العالم أجمع والموجة الثانية في العالم كله أثبتت أن مناعة القطيع نظريًا غير ممكنة، وأن اللقاح هو ما نعول عليه” حد تعبيره.

وحول تعامل عينة الدراسة عند معرفتهم أن الأعراض التي اشتكوا منها هي كوفيد19 ومدى تعاون الناس؛ يجيب د. شيخ الشطيري أستاذ علم الاحياء الدقيقة والمناعة المساعد كلية الطب والعلوم الصحية جامعة عدن قائلاً بأن “الناس كانوا متعاونين للغاية، والدراسة هي دراسة عرضية تأخذ البيانات السريرية بطريقة رجعية. قمنا بتتبّع الأجسام المضادة لفترة ما بعد 6 أشهر، من حيث ثبات المناعة المكتسبة، وذلك خلال الفترة من 28 نوفمبر إلى 13 ديسمبر ومعظم الحالات ظهرت عليهم الأعراض في شهر مايو ويونيو 2020 كما إنّ معظم من شارك لم يتم تشخيصهم حينها كمرضى كوفيد19”.

وأشار الباحث الشطيري إلى عدم إمكانية معرفة إذا ما كان هناك طفرات جديدة هي التي ساعدتْ على الانتشار الجديد للفيروس التاجي وليست الطفرات الأولى، مؤكداً أنّ معرفة الطفرات يحتاج إلى دراسة الجينوم وهذا غير متوفر حالياً في اليمن ولذلك لا يمكن معرفة ما هي السلالة الحالية.

وتمت عملية جمع بيانات الدراسة البحثية باستخدام استبانة محكمة، كما تم سحب عينة الدم من كل مشارك و إجراء الفحص السريع “RDT” في الميدان من قبل طلاب المختبرات الطبية الذين تم تدريبهم لهذا الغرض، وكان نوع الفحص السريع الذي استخدم في المسح الميداني هو من نوع HealgenCOVID-19 IgG / IgM Rapid Test كاسيت، كما تم الاحتفاظ بعينات الأمصال للاختبار ثاني باستخدام اختبار مقايسة الممتز المناعي المرتبط بالإنزيم “ELISA” (WANTAI SARS-CoV-2 Ab ELISA) حيث خضعت جميع العينات الإيجابية و14% من العينات السلبية بالفحص السريع (RDT) لاختبار مقايسة الممتز المناعي المرتبط بالإنزيم (ELISA).

ورفضتْ السيدة سهير زقوت المسؤولة الإعلامية في اللجنة الدولية للصليب الأحمر في عدن التعليق عن سؤال معد التقرير حول تقييم اللجنة الدولية للوضع الصحي الراهن في عدن في ظل موجه كورونا الثانية وهي التي ظلتْ لأشهرٍ تدير مخيمًا وسط عدن لعلاج مرضى الفيروس التاجي لتسلمه الشهر الماضي للسلطات الصحية بالمدينة.

وبخصوص التوقعات القادمة لموجه كورونا الثانية في عدن تقول سهير زقوت: “اللجنة لا تستطيع التكهّن بما سيحدث في الفترة القادمة، ونرجع في هذه الحالة إلى تقارير وأبحاث الجهات المعنية في عدن ممثلة بوزارة الصحة العامة والسكان”.

وأكدتْ السيدة زقوت بأن اللجنة الدولية مستعدة لمساعدة السلطات الصحية في عدن لمواجهة موجة ثانية من كورونا، وأنهم جاهزون للمساعدة والتدخل متى طُلب منهم ذلك، ولو تطلب الأمر توسعة الطاقة الاستيعابية لمركز علاج مرضى الكورونا وتوفير الأدوية والطواقم الطبية الميدانية وكل الاحتياجات، سيتم تلبيتها بكل تأكيد حسب قولها.

وقالتْ أن اللجنة الدولية قامتْ في فبراير الماضي بتسليم مركز مستشفى الجمهورية لعلاج مرضى كوفيدـ 19 لوزارة الصحة اليمنية وهي المسؤولة عنه، مؤكدة وجود لجنة مشتركة لتسيير عمل المرحلة الانتقالية بطريقة سلسلة بين الطاقم الطبي الأجنبي للجنة والطواقم الطبية المحلية . حيث تقوم اللجنة بدفع حوافز 50 موظفًا من طواقم المركز وتكون استجابة اللجنة للمساعدة حسب احتياجات السلطات المحلية ووزارة الصحة لهم.

وبخصوص ردها عن سؤال “لماذا لم تزود الأنظمة الطبية في اليمن بأجهزة PCR؟” أشارتْ زقوت إلى أن اللجنة الدولية لم تقدم أيًا من هذه الأجهزة للسلطات المحلية وأنّ هناك منظمات دولية سلمتْ وحداتPCR للسلطات الطبية في اليمن، وأن وزارة الصحة هي المخولة بالرد، وهذا ما أوضحه الدكتور علي الوليدي، وكيل وزارة الصحة لقطاع الرعاية الأولية، والذي أفاد بأن المحافظات التي تتواجد فيها وحدات PCR هي المهرة، حضرموت الساحل، حضرموت الوادي، سقطرى، شبوة، الوديعة، مأرب، عدن وتعز.

وأضاف: “حاليًا يتم تجهيز ثلاث وحدات لازالتْ تحتاج بعض النواقص، التي طلبنا من منظمة الصحة العالمية توفيرها، وستكون من حصة محافظات أبين، لحج والضالع، مشيراً إلى أن مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية قام بتسليم أغلب وحدات PCRفي المهرة وشبوة ومأرب والوديعة وسقطرى، كما سلمتْ منظمة الصحة العالمية وحدتين قبل الجائحة في حضرموت وعدن العام الماضي إلى جانب توفير المحاليل.

وكانتْ الأعراض الأكثر شيوعًا المرتبطة بعدوى الكورونا في الدراسة هي الحمى (%58.1)، الصداع (44.6%)، فقدان الشم (44.1%)، فقدان التذوق (42.1%)، السعال (%38)، بينما سجّل ضيق التنفس معدلًا بلغ (25%) من قبل المشاركين.

كما بينتْ نتائجُ الدراسة البحثية أن ذروة هذه الأعراض كانت في الفترة بين 18 – 22 مايو 2020م، وعند سؤال المشاركين الذين ظهرت عليهم الأعراض عن تأثيرها على حياتهم، أتضح أن حوالي ثلث المصابين المشاركين في المسح طلبوا العناية الطبية (36.4%) و(21.3%) غابوا عن عملهم أو دراستهم بسبب ظهور الأعراض بينما (9.5%) من المشاركين قالوا انهم ترقّدوا في المستشفيات.

بدوره قال د. خالد زين الأستاذ المشارك في طب المجتمع والصحة العامةـ جامعة عدن، أن الدراسات المسحية من أكثر أنواع الدراسات الشائعة الاستخدام للحصول على بيانات توزُّع الأمراض والأحداث المرتبطة بالصحة العامة، والعبء الذي تشكّله هذه الجوائح على الدول والمجتمعات كبير، خصوصًا عند العجز أو ضعف قدرة إجراءات جمع البيانات الروتينية في مكونات القطاع الصحي المختلفة والقطاعات ذات العلاقة بتوفير هذه البيانات، ويتم ذلك من خلال اختيار عينة عشوائية كافية وممثلة لفئات المجتمع المستهدف.

ونوّه بأن استخدام هذا النمط من الدراسات وخصوصًا عند سلامة القواعد والإجراءات المنفذة لتحقيق غاية وهدف الدراسة (منهجية الدراسة) من حيث عدم السماح للصدفة أو الخلل أن تتدخل في عملية جمع ومعالجة وتحليل البيانات، من المتوقع إلى حدٍ كبير أنْ تقدم بيانات تعكس وتوضّح صورة الوباء ومعدلات انتشاره في المجتمع.

وقال زين أن النتيجة الرئيسية المهمة والملفتة للنظر هي أن ما يقارب ربع عينة الدراسة قد تعرض للإصابة بفيروس كورونا المستجد وأن كلي الجنسين ومختلف الفئات العمرية قد تعرضوا للإصابة بفيروس كورونا المستجد وأن من لم تظهر عليهم أعراض وعلامات الإصابة بفيروس كورونا المستجد أقل من 10% من عينة الدراسة.

ولفتَ إلى أنّ مناعة القطيع هي شكل من أشكال الحماية غير المباشرة من مرض معدٍ، تتحقق عندما تكتسب نسبةٌ كافيةٌ من السكان المناعة من ذلك المرض إما عن طريق اللقاح أو الإصابة السابقة بالعدوى، مما يقلّل من احتمالية الإصابة للأفراد الذين يفتقرون إلى المناعة، مشيراً أن منظمة الصحة العالمية تدعم تحقيق “مناعة القطيع” عن طريق التطعيم وليس بالسماح للمرض بالانتشار في أوساط السكان، لما قد ينتج عن ذلك من حالات ووفيات لا داعٍ لها.

وأضاف قائلًا أنه لتحقيق مناعة القطيع ضد كوفيد-19 بصورة مأمونة، ينبغي تطعيم نسبة كبيرة من السكان للحدّ من العدد الإجمالي للفيروسات القادرة على الانتشار في أوساط السكّان. ويتمثل أحد أهداف السعي لتحقيق مناعة القطيع في الحفاظ على سلامة الفئات الضعيفة التي لا يمكن تطعيمها (بسبب حالات مرضية معينة، كالتفاعلات التحسسية إزاء اللقاح) وحمايتها من المرض.

*هذا التقرير نشر كجزء من مشاركة الكاتب في ورشة الصحافة العلمية ومن خلال مشروع “الصحافة والعلوم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، وهو أحد مشروعات معهد جوته الممولة من قبل وزارة الخارجية الالمانية