آخر تحديث :الجمعة - 09 يناير 2026 - 03:56 م

كتابات واقلام


أين تكمن المشكلة؟ قراءة في الموقف السعودي من التحركات الجنوبية

الخميس - 08 يناير 2026 - الساعة 08:56 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


الصحفي صالح حقروص

الملاحظ من خلال ما نشره سفير المملكة العربية السعودية لدى اليمن، محمد آل جابر، بشأن اللقاء الذي جمعه بوفد المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض اليوم، وما تضمنه من حديث عن التحركات التي قام بها المجلس في محافظتي حضرموت والمهرة والتحقيق فيها اولا، أن تلك التصريحات تعكس بوضوح تعاطي المملكة مع وفد المجلس الانتقالي بوصفه موضع اشتباه أكثر منه شريكاً في الحوار. ويعزز هذا الانطباع ما جرى من احتجاز للوفد عقب وصوله إلى الرياض، في سلوك يكشف عن قلق سعودي متزايد إزاء التحركات العسكرية والسياسية الجنوبية، لا سيما في محافظتي حضرموت والمهرة.

هذا الموقف ليس معزولاً عن سياق سابق، فقد سبق للمملكة أن استخدمت طيرانها لقصف قوات جنوبية، وعملت على إخراجها بالقوة من بعض المناطق، بالتعاون مع قوات شمالية، في رسالة واضحة مفادها أن وصول القوات الجنوبية إلى مناطق تراها الرياض “حساسة أمنياً” يمثل خطاً أحمر، بغض النظر عن كون هذه المناطق جنوبية جغرافياً وتاريخياً.
الأخطر من ذلك أن السعودية تلوّح باتهام الإمارات بالوقوف خلف هذه التحركات، وكأن القضية الجنوبية باتت تُختزل في صراع نفوذ إقليمي، لا في قضية شعب يسعى لاستعادة دولته. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما ذنب الجنوب إذا ما كان هناك خلاف غير معلن بين الرياض وأبوظبي؟ ولماذا يُطلب من الجنوبيين دفع ثمن هذا الخلاف على حساب مشروعهم السياسي؟
إن الجنوب العربي لم يطرح مشروعه من بوابة الفوضى أو المغامرة العسكرية، بل أعلن بوضوح هدفه في الاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية وعاصمتها عدن. وكان من المفترض أن يتم انتشار قوات المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة بشكل سلمي ومنظم منذ عام 2019، وفقاً لاتفاق الرياض الموقع بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي، وبرعاية وضمانة سعودية مباشرة.
غير أن ما حدث هو العكس تماماً. فقد تعثّر تنفيذ الاتفاق، لا بسبب رفض جنوبي، بل نتيجة عدم التزام الراعي نفسه بتطبيق بنوده، وعلى رأسها الشقين العسكري والأمني. ومع استمرار هذا التعطيل، وجد الجنوبيون أنفسهم أمام واقع مفروض بالقوة، ما دفعهم إلى فرض أمر واقع مقابل، في محاولة لحماية مكتسباتهم ومنع تهميشهم في مناطقهم.
من هنا، يصبح السؤال “أين المشكلة؟” سؤالاً مشروعاً. هل المشكلة في قوات جنوبية تتحرك داخل أرضها؟ أم في اتفاق لم يُنفذ رغم مرور سنوات عليه؟ أم في خشية إقليمية من قيام كيان جنوبي مستقل يعيد رسم موازين النفوذ؟
إن معالجة هذا الملف لا تكون عبر الاحتجاز، ولا عبر القصف، ولا عبر توظيف قوات شمالية لفرض معادلة مرفوضة جنوباً، بل عبر احترام الالتزامات، وتنفيذ اتفاق الرياض كما وُقّع، والتعامل مع القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية عادلة، لا ورقة ضغط في صراعات إقليمية.
فاستقرار الجنوب لن يتحقق بالقوة، وأمن المنطقة لن يُبنى على تجاهل إرادة شعب، بل على شراكة حقيقية تعترف بالحقوق وتفي بالوعود.

الصحفي صالح حقروص
2026/1/8م