آخر تحديث :الأربعاء - 11 مارس 2026 - 12:26 ص

كتابات واقلام


نظام منهار.. لم يعد ينفع معه الترقيع

الثلاثاء - 10 مارس 2026 - الساعة 10:50 م

د. ياسين سعيد نعمان
بقلم: د. ياسين سعيد نعمان - ارشيف الكاتب


-يبرز ، وفي خضم هذه الحرب والمتغيرات المتسارعة والتي ستفضي لا محالة إلى تعميق الشروخ داخل النظام الإيراني وتعجل بنهايته، السؤال المتعلق بالسبب الذي يقف وراء اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا للنظام وما إذا كان ذلك ترميمًا لنظام فقد أهلية بقائه ، أم أنها مغامرة للتسريع بنهايته .
-الإجابة على هذا السؤال تتطلب بحثًا في تركيبة النظام ، وما إذا كانت عملية الاختيار محكومة بحسابات طارئة ومؤقتة ، أم أنها عملية تراكمية امتدت على مدى طويل من حكم المرشد علي خامنئي هيأ فيها مؤسسة المرشد للتوريث ، وهو ما يعني أن خللًا جوهريًا قد أصاب منهج الترشح والاختيار للمرجعية الدينية .
-منذ الوهلة الأولى يمكن القول أن ما جرى هو خليط من هذا وذاك . فالمرشد خامنئي عمل على إعداد وتهيئة نجله مجتبى منذ بواكير عمره ، ثم تولى الحرس الثوري مهمة تبنيه وإعداده للقيادة خلفًا لوالده متخطيًا الكثير من القيادات المؤهلة . أي أنه جاء بحراب وبنادق الحرس الثوري لا بعلمه واجتهاده وتراتبية كفاحه ومكانته في سلم المؤسسة والنظام .
-وُضِع النظام ، بسبب هذا الأسلوب الفج في عملية اختيار المرشد ، في مواجهة الأسس والقواعدالتي تشكل أحد أعمدة النظام ، وهو ما يضيف عاملًا إضافيًا إلى جملة العوامل التي أخذت تخلخل أسس النظام ، وتدفع مؤسسة المرشد دفعًا إلى الإرتماء في أحضان الحرس الثوري والاعتماد على سلاحه فقط في البقاء على رأس الدولة .
-أمام تحديات عوامل الإنهيار التي يتعرض لها النظام سارعت الكتلة الصلبة فيه إلى استعراض ما تبقى لديها من قوة باتخاذ هذه الخطوة بهدف استعادة قدر من التوازن لنظام أخذ يترنح منذ فترة طويلة ، ويفقد أسس ومبررات بقائه . ويمكن تلخيص كل ذلك في أن النظام أراد بذلك تجديد نفسه في هيئة أكثر تشددًا مما كان متوقعًا أن تحدثه الحرب من تغيرات إيجابية.
-بمتابعة سريعة للمحطات التي اهتز فيها فيها هذا النظام من أعماقه ليبدأ بالترنح الذي سيفضي به إلى النهاية ، يمكننا رصد ذلك في نقاط محددة:
-بعد وفاة الخميني ، مؤسس النظام ، حدث تحول جوهري في شروط اختيار المرشد ، فلم يعد المرشد مرجعية فقهية لا ينازعها في الفقه والمكانة الروحية أي من القيادات الأساسية ، ذلك أن هذا الشرط تراجع لتحل محله شروط ذات طابع سياسي وبراجماتي ، الأمر الذي جعل هذا المنصب محل نزاع بين قيادات ترى في نفسها الأحق بتوليه من غيرها ، ولنا أن نتذكر ذلك النزاع الخطير بين خامنئي ورفسنجاني والذي فلق النظام في مراحله الأولى إلى نصفين . حيث بدأت المنافسة على لقب المرشد تتم بشروط لا علاقة لها بالفقه ، أو "صفاء ومكانة" المرجعية الدينية والروحية ، وإنما بأي المتنافسين أكثر تشددًا أو تطرفاً في المنهج السياسي .
-حُسم النزاع لصالح الكتلة المتشددة ، وانسحب ذلك على مفاصل الدولة الرئيسية التي أخذت تتجمع تحت لواء الحرس الثوري ، والذي غدا القوة العسكرية المؤدلجة التي يقف على رأسها المرشد ، متخطيًا كل مؤسسات الدولة العسكرية والسياسية والاقتصادية . ولكي يتمكن من ضبط الاوضاع في مختلف مناحي الحياة أعاد بناء مؤسسة الأمن "الباسيج" بناءً ايديولوجيًا متشددًا ، وهي المؤسسة التي غدت إلى جانب الحرس الثوري القوة الأخرى التي تأتمر بأمر المرشد .
-شكل الخمس في المنهج الشيعي مصدرًا ماليًا ضخمًا لمؤسسة المرشد ، الأمر الذي مكن المؤسسة من الحصول على موارد صخمة وبناء اقتصاد موازي يقوم بتمويل أنشطة الحرس الثوري والحوزات وأذرع النظام ومليشياته وغيرها من الانشطة التي تصب في بناء الكتلة الصلبة للنظام في المواجهات الداخلية والخارجية ، وهو ما أفقد الدولة طابعها الوطني ، وهيأ الأمور لتفاعلات اجتماعية عميقة وكارثية على النظام .
-السياسة التوسعية للنظام في الإقليم اعتمدت على ثلاثة عناصر :-١- العنصر الطائفي مع وجود قيادة ذات كاريزما جامعة ( حسن نصر الله نموذجاً) .٢-الدعم المادي والتسليح مع توظيف القضية الفلسطينية وايكال المهمة للحرس الثوري ( فيلق القدس) بقيادة الشخصية الشهيرة قاسم سليماني .٣-سهولة الاختراق لأنظمة قابلة للانقسام . وكان للتحولات الكبيرة والهامة التي حدثت في هذه العناصر مقتل سليماني ، ومقتل حسن نصر الله أثرًا حاسمًا في تراجع زخم مشروع التوسع الخارجي ، ذلك أن روح القيادة للمشروع عند هؤلاء لم تنتقل إلى القيادات التي خلفتهم ، الأمر الذي فقد فيه المشروع ، ومعه النظام ، جانبًا كبيرًا من ديناميات بقائه واستمراره .
-أُخْترق النظام بشبكات تجسس وفرق اغتيالات أفقدته ثقة أنصاره وحلفائه ، وكان اغتيال العلماء والقادة العسكريين ورئيس حماس "هنية" في قلب طهران أحد مظاهر الضعف التي ظهر بها النظام دون قدرة على تبرير ذلك سوى أنه أخذ يتآكل ولم يعد ملاذًا آمناً لحلفائه ،أو جدارًا قويًا يمكنهم الاستناد إليه .
-فقد النظام ثقته في كثير من القادة الاساسيين ومنهم ابراهيم قآني قائد الحرس الثوري الذي أعدم مؤخرًا بتهمة التخابر مع الخارج.
-شكل مقتل المرشد والقائد الأعلى للدولة والثورة على خامنئي بتلك البساطة برهانًا على أن النظام أخذ يتهاوى من داخله ، وأن جدران تماسكه الداخلي قد أصيبت بشروخ عميقة يصعب ترميمها بإطلاق الصواريخ
والمسيرات ، وأن القوة الذاتية المستندة على فكرة المشروع قد انهارت بمقتل أعمدته الثلاثة : قاسم سليماني ، حسن نصر الله ، وأخيرًا المرشد خامنئي . وفي حين فشل المشروع في تعويض كل من قاسم سليماني وحسن نصر الله فإنه عبر عن حالة من اليأس ، وفقدان الارادة الواعية ، في اختيار خليفة المرشد .
-تخلف الحوثي أحد أذرع النظام الأساسيين من المشاركة ، ولو بطلقة واحدة ، في المواجهات العسكرية الأخيرة مسألة لها دلالة بالغة على أن النظام يتهاوى ، وأنه لم يعد له أي مستقبل يمكن الركون إليه ، ولذلك فقد قرأ الحوثيون هذه الحقيقة بمنطق براجماتي ، نفعي وانتهازي ، وحاولوا أن يعوضوا ذلك بصخب بلا محتوى ، في حين أخذوا يقدمون الرسائل في الاتجاه الآخر من تحت الطاولة .
-الاعتداءت المتكررة ، والمستمرة التي قام بها النظام ضد جيرانه من دول الخليج العربي شكلت دليلاً واضحًا على أنه لم يعد يحسب حساب أي خسارة طالما أنه يسير نحو النهاية . فالنظام الذي تتوفر له فرص الاستمرار لا يمكن أن يتصرف بتلك الطريقة التي يخسر فيها أقرب الناس إليه . لقد حرك الانهيار الداخلي للنظام نزعة الانتقام من كل مظاهر الحياة الدالة على حسن التصرف في إدارة شئونها عند جيرانه ، وهو سلوك يلجأ إليه الخاسرون في تاريخ الأمم .
-وأخيرًا ، ها هي وقائع اليوم تثبت أن التحذير من مخاطر هذا النظام لم يكن رجماً بالغيب ، ولم يكن الحديث عما يكنه من مخططات تدميرية لدول الجوار والمنطقة العربية وللأمن الإقليمي والأمن الدولي عمومًا حديثًا مرسلاً أو بلا محتوى ، كل ما في الأمر هو أن المناورات والمغالطات والتحالفات ، التي ظل يقوم بها ، كانت تبطء القراءة الدقيقة لمخاطره الحقيقية من قيل الدوائر الإقليمية والدولية . وكانت اصوات الشعوب التي احرق هذا النظام حاضرها ودمر مستقبلها يصل إلى آذان هذه الدوائر مشوشًا وملغومًا بنفاق البعض ممن اختاروا البحث فيما وراء الظاهرة بأدوات غير مؤهلة ، بل وفاسدة أحيانًا كثيرة ، مما لم يمكنها من استيعاب حقيقته .