آخر تحديث :الخميس - 22 يناير 2026 - 05:26 م

كتابات واقلام


السعودية تُضيء اليمن.. حين تصبح التنمية موقفًا سياسيًا

الخميس - 22 يناير 2026 - الساعة 04:05 م

عبدالله الشرفي
بقلم: عبدالله الشرفي - ارشيف الكاتب



في بلدٍ أنهكته الحرب، وأرهقته العبثية، لا يعود للكهرباء معناها الخدمي فقط، بل تتحول إلى موقف سياسي، وإعلان انحياز واضح لصالح الدولة ضد اقتصاد الفوضى. من هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع الاتفاقية التي وقّعها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مع وزارة الكهرباء والطاقة لشراء المشتقات النفطية من شركة بترو مسيلة، كحدث تقني أو إجراء روتيني، بل كرسالة سياسية مباشرة في وجه من اعتادوا إدارة العتمة.
ما أعلنه السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، يؤكد أن الرياض لم تعد تقبل بلعب دور المموّل الصامت، ولا الشريك الذي يضخ الأموال دون عائد سياسي أو مؤسسي. نحن أمام تحول استراتيجي يربط الدعم بالتأثير، والمساندة بإعادة بناء الدولة، لا بإطالة عمر الاختلال.
تشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء في مختلف المحافظات لا يعني فقط إنارة المنازل، بل تفكيك واحدة من أخطر أدوات الابتزاز السياسي والاقتصادي التي استخدمتها قوى النفوذ طوال سنوات. الكهرباء هنا ليست خدمة، بل سلاح استقرار يُسحب من يد تجار الأزمات.
أما شراء الوقود من شركة وطنية يمنية، فهو ضربة مباشرة لاقتصاد الوسطاء، ورسالة واضحة بأن الدعم الخارجي لن يمر بعد اليوم عبر القنوات الرمادية، بل عبر مؤسسات الدولة والقطاع الوطني المنظم. هذه الخطوة تعيد تعريف السيادة الاقتصادية، وتعيد الاعتبار لشركات أُقصيت لصالح شبكات الاستيراد والفوضى.
الأثر الأخطر –سياسياً– يتمثل في توفير العملة الصعبة، بما يخفف الضغط على الريال اليمني، ويكبح جماح الانهيار المتعمد لسعر الصرف. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: من الذي كان يستفيد من استمرار الانهيار؟ ومن الذي تضرر اليوم من هذا المسار الجديد؟
السعودية، بهذا النهج، لا تضخ وقوداً فحسب، بل تسحب الذرائع من أيدي من بنوا نفوذهم على الفشل، وتُربك حسابات من اعتادوا تحويل الأزمات إلى مصادر ربح ونفوذ سياسي.
ما يجري هو انتقال واضح من منطق الإغاثة المؤقتة إلى منطق إعادة بناء الدولة، ومن سياسة امتصاص الانهيار إلى سياسة مواجهته. إشراك القطاع الخاص المحلي ليس تفصيلاً اقتصادياً، بل إعلان حرب ناعمة على اقتصاد الحرب الذي ازدهر في الظلام.
«السعودية تُضيء اليمن» ليست عبارة دعائية، بل توصيف دقيق لمعركة جديدة تُدار بأدوات التنمية لا بالمدافع، وبالأرقام لا بالشعارات. معركة عنوانها: إما دولة تُدار بالكهرباء والاقتصاد، أو فوضى تعيش على الظلام والانهيار.
هذا النموذج السعودي يضع الجميع أمام اختبار حقيقي:
إما الانخراط في مشروع الدولة… أو الانكشاف أمام الناس.
وفي بلدٍ كاليمن، لا شيء يُخيف تجار الأزمات أكثر من ضوءٍ مستمر لا يمكن إطفاؤه.