آخر تحديث :الخميس - 12 فبراير 2026 - 05:31 م

كتابات واقلام


شجاعة السلام أصعب من إشعال الحروب

الخميس - 12 فبراير 2026 - الساعة 03:11 م

علي عميران
بقلم: علي عميران - ارشيف الكاتب


بينما تتسابق القوى المتحكمة في المشهد اليمني نحو مزيد من التصعيد والمغامرات غير المحسوبة، يجد المواطن اليمني نفسه عالقًا في عنق زجاجة "الانسداد السياسي". إن ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو حالة من التخبط والفشل الإداري والسياسي الذي يقود البلاد نحو هاوية أعمق، حيث تُقدَّم المصالح الضيقة والرهانات الخارجية على حساب أنين الجوعى، وانهيار العملة، وضياع مستقبل أجيال بأكملها.
لقد أثبتت السنوات العجاف أن لغة الرصاص والخطابات المتشنجة هي أسهل الطرق وأكثرها تدميرًا. إن البطولة الحقيقية في هذه المرحلة المفصلية لا تكمن في القدرة على حشد المقاتلين أو إغلاق أبواب الحوار، بل في امتلاك شجاعة التنازل.
التنازل هنا ليس ضعفًا ولا استسلامًا للخصم، بل هو انحياز أخلاقي للوطن. إن القائد الحقيقي هو من يمتلك الجرأة ليتراجع خطوة إلى الوراء من أجل أن يتقدم شعبه خطوة إلى الأمام، وهو من يدرك أن "الاستكبار السياسي" أمام واقع اقتصادي منهار هو انتحار جماعي لن ينجو منه أحد.
إن استمرار حالة التخبط في اتخاذ القرار، وغياب الرؤية الموحدة لإنقاذ الاقتصاد، يضع اليمن أمام سيناريوهات كارثية. فالفجوة بين "أصحاب القرار" و"واقع الشارع" اتسعت إلى درجة لم تعد معها الوعود قادرة على ترميم الثقة. إن شرعية أي سلطة لا تُقاس بقدرتها على خوض المغامرات، بل بقدرتها على توفير رغيف الخبز، واستقرار العملة، وتأمين الخدمات الأساسية.

رسالة مفتوحة: إلى الغارقين في حسابات القوة.. كفى مغامرةً بأقواتنا
إلى الذين يمسكون بزمام القرار، خلف المكاتب وفي ردهات السياسة: لقد وصل الشعب اليمني إلى مرحلة لم يعد فيها الكلام عن "الصبر" و"الصمود" مجديًا، بينما يرى قراراتكم تتخبط يمنة ويسرى في سلسلة من المغامرات غير المحسوبة. إن ما تسمونه ثباتًا نراه نحن "استكبارًا" على واقع مرير، وما تصفونه بـ"المناورة" نعيشه نحن كـ"انسداد" يخنق كل فرص الحياة.
إن المغامرات التي تُخاض دون اعتبار للتبعات الإنسانية هي في الحقيقة "هروب إلى الأمام" من استحقاقات السلام والبناء التي ينتظرها الشارع. نذكّركم بأن القيادة هي "خدمة الناس" وليست "إخضاعهم" لنتائج مغامرات غير مدروسة.
وفي ظل هذا الانسداد، يبرز دور القوى المدنية، والمجتمع المحلي، والنخب المثقفة، والشباب. هؤلاء هم الكتلة الحرجة التي يجب أن ترفع صوتها لرفض الارتهان لسياسات التصعيد. إن تشكيل تيار وطني يضع الأمن المعيشي فوق كل اعتبار سياسي هو المخرج الوحيد لكسر احتكار القرار من قبل تجار الحروب والمغامرين.
ختامًا، نقول إن اليمن اليوم لا يحتاج إلى طرف ينتصر على جثة الوطن، بل يحتاج إلى عقلاء ينجون بالوطن من الغرق. إن استمرار عقلية الغلبة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التشظي. إن مصلحة اليمنيين تقتضي فورًا تغليب لغة الحوار الوطني الشامل بعيدًا عن الإملاءات.
آن الأوان لمن يتحكمون بالقرار أن يدركوا أن التاريخ لن يرحم من فرّط بكرامة شعبه من أجل رهانات عابرة، وأن شجاعة بناء السلام أصعب وأسمى بكثير من شجاعة إشعال الحروب.