آخر تحديث :السبت - 22 أغسطس 2026 - 05:41 ص

كتابات واقلام


معركة الجينات والتحورات

السبت - 22 أغسطس 2026 - الساعة 05:41 ص

أوسان بن سدة
بقلم: أوسان بن سدة - ارشيف الكاتب


لم ننتهي من جدليات واحدية الكورة والثورة والرقصات والبرعات والوعل والبغل والمخبازة والمرق والجنبية والمعوز ليفتح علينا اخونجية اليمن معركة الجينات والتحورات والهدف من ذلك زعزعة ايمان الجنوبيين بقضيتهم وهويتهم السياسية وتجييش من تبقى من الشماليين ضدنا وخلق مبرر جديد لغزواتهم القادمة.

فلو أن شعبين تفصل بينهما حدود وتواريخ مختلفة يشتركان في جد عاش قبل آلاف السنين كالجزائر وتونس او السعوديه والكويت ومصر والسودان ؟ هل تسقط الهويتان وتبطل الدولتان؟ بالطبع لا.
هذه، في جوهرها، هي المغالطة التي يقع فيها من يحاول توظيف التحورات الجينية للقول إن قبائل الجنوب العربي واليمن تنتمي إلى "أصل واحد"، ليقفز منها إلى التشكيك في الهويات السياسية المستقرة. فالجينات قد تخبرنا عن قرابة سحيقة، لكنها لا ترسم حدود الوطن.
الاشتراك في تحور جيني بين رجل من يافع وآخر من الشمال يخبرنا فقط بلتقاء خطين أبويين عند جد قديم؛ ولا يمنح أحدهما صفة الآخر. فالتحورات الجينية أقدم بعصور من مسميات "اليمن " و"الجنوب العربي " بل ومن القبائل نفسها، وإسقاط جغرافيا اليوم على زمن لم تكن فيه هذه الخريطة موجودة اصلاً هو تعسّف سياسي لا علاقة له بالعلم.
تطبيق منطق "وحدة الجينات تلغي الهوية" يوصلنا لنتائج عبثية؛ فالدول ليست مختبرات أنساب، والمواطنة ليست فحص Y-DNA. القبائل عبر التاريخ تشكلت بالأرض والحلف والجوار والحروب والهجرة ولم تكن خزانات بيولوجية مغلقة، والهوية السياسية حصيلة تاريخ وذاكرة ومصالح تراكمت عبر أجيال، وليست ادعاءً بالنقاء العرقي.
القرابة لا تعني الوحدة السياسية، كما أن الاستقلال لا يشترط القطيعة الجينية. المشكلة ليست في العلم، بل في اللحظة التي يُحمَّل فيها الفحص المخبري استنتاجاً سياسياً، لنكون حينها أمام أيديولوجيا تُمارَس باسم العلم.