آخر تحديث :الأحد - 06 سبتمبر 2026 - 03:24 م

كتابات واقلام


الجنوب أولًا.. لماذا ترفض القوات الجنوبية أن تكون وقودًا لحروب الشمال؟

الأحد - 06 سبتمبر 2026 - الساعة 02:41 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


من أكثر المفارقات التي يصعب فهمها أن تجد من ظل طوال السنوات الماضية يتابع مشهد الحرب في اليمن، ويرى التفاهمات والتنسيقات التي جرت بين مختلف الأطراف، ثم يأتي اليوم ليهاجم كل جنوبي يرفض الزج بالقوات المسلحة الجنوبية في معارك جديدة خارج حدود الجنوب.

المسألة ليست خوفًا من الحوثي، ولا هروبًا من المواجهة، كما يحاول البعض تصويرها، وإنما هي قضية وعي سياسي وعسكري، وتجربة طويلة علّمت الجنوبيين أن يعرفوا جيدًا أين يجب أن تكون معاركهم، وما الثمن الذي قد يدفعونه عندما تتحول قواتهم إلى وقود لصراعات الآخرين.

خلال السنوات الماضية، ظلّت بعض القوى ترفع شعارات تحرير صنعاء ومواجهة الحوثي، بينما كانت الوقائع على الأرض تثير تساؤلات متزايدة حول حقيقة الأولويات والأهداف. فالشعارات شيء، والممارسة السياسية والعسكرية شيء آخر.
والأهم من ذلك أن القوات الجنوبية نفسها أثبتت أنها لم تكن يومًا مترددة في مواجهة الحوثيين. فقد خاضت معارك شرسة، وقدمت تضحيات كبيرة، وشاركت في تحرير مناطق واسعة من الساحل الغربي، ووصلت إلى مشارف الحديدة. أي أن من يختزل موقف الجنوب اليوم في «الخوف من الحوثي» يتجاهل تاريخًا كاملًا من المواجهة والتضحيات.

لكن المفارقة أن القوات التي قاتلت الحوثي خارج حدود الجنوب وجدت نفسها لاحقًا أمام قوى أخرى تحاول فرض واقع جديد في الجنوب.

ففي أغسطس 2019، اندلعت مواجهات مع قوات مرتبطة بالإخوان، في مشهد اعتبره الجنوبيون استهدافًا مباشرًا للجنوب ومشروعه السياسي. وجاء اتفاق الرياض في نوفمبر من العام نفسه لمعالجة تداعيات تلك الأزمة وتنظيم العلاقة بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، بضمانة سعودية، إلا أن الاتفاق ظل يواجه تعثرًا في التنفيذ، واستمرت الخلافات حول بنوده وترتيباته السياسية والعسكرية.

ومن هنا يصبح موقف القيادة الجنوبية من المشاركة في معركة صنعاء مفهومًا بصورة مختلفة.

الرفض ليس خوفًا من الحوثي، بل رفض لأن يكون الجنوب وقودًا لحرب لا يملك قرارها ولا يضمن نتائجها.

فالجنوب الذي دفع ثمن تحرير أرضه بدماء أبنائه لا يستطيع أن يتعامل مع قواته وكأنها قوة مفتوحة للاستنزاف في كل معركة، ثم يعود ليجد أرضه ومشروعه السياسي أمام تهديد جديد.

تحرير الشمال وصنعاء مسؤولية أبناء الشمال والقوى التي تنتمي إلى مشروعه السياسي والعسكري. أما القوات الجنوبية، فمهمتها الأولى هي حماية الجنوب وأرضه وأمنه ومصالحه.

وهنا يجب أن يكون السؤال واضحًا:

لماذا يُطلب من أبناء الجنوب أن يحرروا صنعاء، بينما لم تُحسم بعد قضية الجنوب، ولم تُقدَّم الضمانات التي تمنع استخدام استنزاف القوات الجنوبية ضد الجنوب نفسه؟

لقد خاض الجنوبيون معارك خارج أرضهم، وقدموا التضحيات، ولم تكن مشكلتهم يومًا مع مواجهة الحوثي. مشكلتهم أن تتحول هذه المواجهة إلى طريق لاستنزاف قوتهم وإبعادها عن مهمتها الأساسية.

الشجاعة ليست أن تخوض كل حرب تُطلب منك، بل أن تعرف أي حرب تخوض، ولماذا تخوضها، ولصالح من، وما الذي سيحدث بعد انتهائها.

ولهذا فإن شعار «الجنوب أولًا» ليس شعارًا عاطفيًا، وإنما هو خلاصة تجربة طويلة وقراءة لمآلات الحروب السابقة.

القوات المسلحة الجنوبية ليست مرتزقة عند أحد، وليست احتياطًا عسكريًا لمشاريع الآخرين، وليست قوة تُستنزف خارج حدود الجنوب ثم يُطلب منها العودة لحماية أرضها بعد فوات الأوان.

لقد حرر أبناء الجنوب أرضهم بأنفسهم، ومن حقهم أن يحتفظوا بقوتهم لمعركة استعادة دولتهم وحماية مشروعهم ومستقبلهم.

ومن يريد إضعاف القوات الجنوبية، تحت أي عنوان أو مبرر، فعليه أن يدرك أن إضعافها لا يعني إضعاف مؤسسة عسكرية فحسب، بل يعني بالنسبة للجنوبيين إضعاف إحدى أهم أدوات حماية حلمهم السياسي.

أما من يصف رفض المشاركة في معركة صنعاء بالجبن أو الخوف، فليجب أولًا عن سؤال بسيط:

ماذا حدث عندما ذهبت القوات الجنوبية للقتال خارج أرضها؟

لقد قاتلت، وانتصرَت، وقدمت التضحيات، ثم عاد الصراع إلى الجنوب نفسه.

ولهذا فإن ذاكرة الجنوبيين لا تسمح لهم بتكرار التجربة دون حسابات وضمانات واضحة.

إن معركة صنعاء، إن كانت هناك إرادة حقيقية لخوضها، فهي مسؤولية القوى التي تنتمي إلى الشمال أولًا. ولا يمكن أن يصبح الجنوبيون بديلًا عن تلك الإرادة، ولا أن تتحول قواتهم إلى وقود لحرب مفتوحة لا يعرف أحد نهايتها.

الجنوب لا يرفض مواجهة أحد، لكنه يرفض أن يُستخدم.

والجنوب لا يخشى الحرب، لكنه يعرف أن أخطر الحروب هي تلك التي تخوضها دون أن تعرف لمن ستكون نتائجها.

ولهذا قالت القيادة الجنوبية: لا.

لا، لأن الجنوب أولًا.

لا، لأن دماء أبنائه ليست رخيصة.

لا، لأن قواته ليست ملكًا لمشاريع الآخرين.

ولا، لأن من حق الجنوب أن يحتفظ بقوته لمعركته، وأن يقرر بنفسه أين يقاتل ومتى يقاتل ولماذا يقاتل.

الجنوب الذي حرر أرضه بدماء أبنائه لن يسمح بأن تتحول قواته إلى وقود لحروب الآخرين.

الجنوب أولًا... وقوته خط أحمر.

الصحفي صالح حقروص
2026/9/6م