آخر تحديث :الأربعاء - 23 سبتمبر 2026 - 09:41 م

كتابات واقلام


الحوثيون والجنوب: وعود في صنعاء واجتياح في الجنوب

الأربعاء - 23 سبتمبر 2026 - الساعة 08:36 م

د.توفيق جوزليت
بقلم: د.توفيق جوزليت - ارشيف الكاتب


علاقة الحوثيين بالقضية الجنوبية تكشف تجربتها عن واحدة من أكثر المفارقات السياسية وضوحًا و تناقضا بين الخطاب والممارسة.

ففي مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي انعقد في صنعاء بين 18 مارس 2013 و25 يناير 2014 تحدث الحوثيون عن حق الجنوبيين في أن يقرروا مستقبلهم، وقدموا خطابًا بدا في بعض مراحله متفهمًا للمطالب الجنوبية. وكان من الطبيعي أن ينظر بعض الجنوبيين إلى هذه المواقف باعتبارها مؤشرًا على إمكانية بناء تفاهم سياسي حول مستقبل الجنوب.

وعندما انسحب الجنوبيون من الحوار، لم يتحول خطاب الحوثيين إلى موقف عملي واضح يدعم حقهم في تقرير مستقبلهم، ولم يتم أي تحرك يرقى إلى مستوى الشعارات التي رُفعت في قاعات الحوار. كان الصمت، في تلك اللحظة، أكثر تعبيرًا عن الموقف الحقيقي من كل التصريحات السابقة.

ثم جاءت المحطة الأخطر: و هو الانقلاب على الرئيس عبد ربه منصور هادي، والانتقال من العمل السياسي إلى التوسع العسكري…وهنا لم تعد المسألة تتعلق بتفسير خطاب أو قراءة تصريح، بل أصبحت أمام واقع جديد فرضته القوة المسلحة.

والأكثر دلالة أن محمد البخيتي القيادي ضمن فريق الحوثيين ، أُرسل إلى عدن، قبل اندلاع الحرب، برسائل طمأنة للجنوبيين بشأن صيغة «الإقليمين». لكن بعد نحو أسبوعين فقط، تغير المشهد بصورة دراماتيكية، وتحولت لغة التطمين السياسي إلى تقدم عسكري باتجاه الجنوب.

هذا درس ينبغي ألا يُنسى.
لقد أثبتت التجربة أن القضية الجنوبية لا يمكن أن تكون رهينة للخطابات التي تتغير بتغير موازين القوة، ولا يجوز أن تتحول إلى ورقة تستخدمها الأطراف اليمنية في صراعاتها ثم تتخلى عنها عندما تحقق أهدافها الأخرى.

لا يحتاج الجنوب إلى وعود جديدة، وإنما يحتاج إلى مواقف واضحة وضمانات سياسية وقانونية يمكن اختبارها على أرض الواقع. ومن حق الجنوبيين أن يراجعوا مواقف جميع القوى اليمنية، ليس فقط الحوثيين وحدهم، وأن يسألوا كل طرف: ما موقفك الحقيقي من حق الجنوب في تقرير مستقبله؟ وهل هذا الموقف ثابت، أم أنه مجرد ورقة تفاوضية مرتبطة بظروف الصراع؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الجنوبية هو أن تتحول إلى ساحة لتبادل الوعود بين القوى المتصارعة، بينما يبقى القرار الحقيقي بشأن مستقبل الجنوب مؤجلًا أو خاضعًا لحسابات الآخرين.

لقد علّم التاريخ الجنوبيين درسًا قاسيًا: لا ينبغي الحكم على أي طرف من خلال ما يقوله عن الجنوب، وإنما من خلال ما يفعله عندما تتغير الظروف ويصبح قادرً على الفعل

في السياسة، الثقة لا تُمنح بالشعارات، وإنما تُبنى بالمواقف والضمانات والممارسة. أما القضية الجنوبية، فلا ينبغي أن تكون مرة أخرى ضحيةً للتناقض الصارخ بين ما يُقال في صنعاء وما يحدث في الجنوب.

ومن يثق بالحوثيين، بعد كل هذه التجربة، فإما أنه لم يتعلم من التاريخ، أو أنه يتجاهل حقائق القضية الجنوبية لمصلحة حسابات أخرى….فالجنوب لا يحتاج إلى أوهام جديدة، ولا إلى من يطلب منه أن ينسى ما حدث بالأمس. ما يحتاجه هو قراءة دقيقة للتجربة، والتمييز بين من يستخدم القضية الجنوبية كورقة سياسية، ومن يتعامل معها باعتبارها قضية شعب وحق ومستقبل.
في القضايا المصيرية، السذاجة السياسية قد تكون مكلفة، والتآمر على القضية أخطر منها.