آخر تحديث :الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - 12:30 ص

كتابات واقلام


وداعًا يا محمد.. رحلتَ وغابت ابتسامتك، وبقي وجع الفراق ينزف في قلوبنا

الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026 - الساعة 11:45 م

فؤاد المقرعي
بقلم: فؤاد المقرعي - ارشيف الكاتب





سأكتب الليلة، ولكن بأي قلب أكتب؟ وبأي كلمات أرثي رجلًا كانت الابتسامة لا تفارق محياه، وكانت الأخلاق عنوانه، والطيبة تسكن قلبه، والتواضع يرافق خطواته أينما حلّ وارتحل؟
سأكتب الليلة عن رجل لم أعرف يومًا أنه خاصم أحدًا، ولم أسمع عنه إلا كل خير. سأكتب عن إنسان كان يحمل في وجهه بشاشة الحياة، وفي قلبه نقاء الرجال، وفي روحه شجاعة الأبطال.

سأكتب الليلة عن محمد عبدالله صالح علي المقرعي، ذلك الرجل الذي لم أكن أتخيل يومًا أن أكتب اسمه مقرونًا بكلمة الوداع، أو أن أراه يغادر هذه الدنيا بهذه السرعة، وهو الذي عرفناه مبتسمًا، طيب القلب، حسن المعشر، لا يحمل في صدره حقدًا على أحد.

يا محمد، كيف غبت بهذه السرعة؟ وكيف استطاع الموت أن يخطف منك تلك الابتسامة التي اعتدنا رؤيتها على وجهك؟

يا محمد، لقد رحلت جسدًا، لكن صورتك لا تزال حاضرة أمام أعيننا، وصوتك وابتسامتك وذكرياتك لا تزال تسكن قلوبنا.
لحظة أدركت فيها أن محمدًا لن يعود
اليوم، وأنا في مجلس عزاء الشهيد محمد، كنت أجلس بين المعزّين، لكن عقلي وقلبي كانا يرفضان تصديق خبر. استشهادك
كنت أنظر إلى يميني وشمالي، وأحدّث نفسي بصمت: لعل الخبر غير صحيح، لعل هناك خطأ، لعل محمدًا ما زال حيًا، ولعلنا نسمع بعد قليل صوتًا يقول إن ما حدث لم يكن إلا إشاعة
.
كنت أبحث عن بصيص أمل وسط ذلك الحزن الثقيل، وأتمنى من أعماق قلبي أن تكون أخبار رحيله غير صحيحة.
لكنني، وبينما كنت أحدّق أمامي، وقعت عيناي على الأستاذ علي عبدالله صالح، شقيق الشهيد محمد عبدالله صالح علي المقرعي.
رأيته والدموع تنهمر من عينيه، والحزن يكسو ملامح وجهه، وكأن تلك الدموع كانت تحكي فاجعة أكبر من أن تصفها الكلمات.
عندها فقط، أدركت الحقيقة التي كنت أهرب منها.
نعم، محمد رحل.. محمد الذي عرفناه بابتسامته قد فارق الحياة.
في تلك اللحظة، شعرت بأن شيئًا انكسر في داخلي، وأن الكلمات اختنقت في حلقي، وأن القلب لم يعد قادرًا على احتمال هذا الوجع.
يا الله، ما أصعب أن ترى دموع الأخ على فراق أخيه! وما أقسى أن تدرك أن وجهًا اعتدت رؤيته مبتسمًا لن تراه مرة أخرى في هذه الدنيا!
قتلوك يا محمد.. لكنهم لم يقتلوا ذكراك
يا محمد، لقد رحلت وأنت في ميدان القتال بجبهة تورصة، في مديرية الأزارق بمحافظة الضالع، إثر إصابتك بشظايا قذيفة هاون خلال المواجهات مع جماعة الحوثي.
رحلت وأنت تؤدي ما كنت تؤمن بأنه واجبك في الدفاع عن دينك وأرضك وأهلك.
رحلت يا محمد، وتركت خلفك قلوبًا مكسورة، وأعينًا دامعة، وأهلًا وأصدقاء ورفاقًا لن ينسوا طيبتك وشجاعتك.
لقد أخذت الحرب منا الكثير من الرجال، لكن رحيلك يا محمد له وجع مختلف، لأننا لم نفقد مقاتلًا في الجبهة فحسب، بل فقدنا إنسانًا عزيزًا، ورجلًا عُرف بحسن أخلاقه ونقاء سريرته.
قتلوك يا محمد، لكنهم لم يستطيعوا قتل محبتك في قلوبنا، ولن يستطيعوا محو ذكراك من وجدان كل من عرفك.
وداعًا يا صاحب الابتسامة التي لن ننساها
يا محمد، من سيعيد إلينا تلك الابتسامة؟
من سيملأ المكان بطيبتك؟
من سيجعلنا نصدق أنك لن تعود، وأننا لن نراك مرة أخرى بيننا؟
لقد كان حضورك جميلًا، وكان رحيلك موجعًا، وما بين جمال الحضور وقسوة الغياب ستبقى ذكراك حاضرة في قلوبنا.
وداعًا يا محمد، والقلب يقطر حزنًا على فراقك.
وداعًا يا محمد، والدموع تعجز عن التعبير عما تركه رحيلك في نفوسنا.
وداعًا يا رجلًا لم نعرف منه إلا الخير، ولم نرَ على وجهه إلا البشاشة، ولم نحفظ عنه إلا طيب السيرة وحسن الخلق.
نسأل الله أن يتقبلك في الشهداء، وأن يرفع درجتك في عليين، وأن يجعلك من أهل الفردوس الأعلى، وأن يكرمك بشفاعة الشهداء وفضله ورحمته.
وهنيئًا لك، يا محمد، ما نرجوه لك من أجر الشهادة عند الله، فهو وحده العالم بالنيات والمصائر.
وإلى أسرتك الكريمة، وإلى أشقائك وأهلك ومحبيك، نقول: أعظم الله أجركم، وجبر مصابكم، وربط على قلوبكم، وألهمكم الصبر والسلوان.
أما أنت يا محمد، فستظل حيًا في ذاكرتنا، حاضرًا في دعائنا، باقيًا في قلوبنا ما حيينا.
رحمك الله يا محمد.. لقد غابت ابتسامتك عن أعيننا، لكنها لن تغيب عن قلوبنا.
وداعًا يا محمد.. وداعًا بحجم الوجع الذي تركته في صدورنا.
إنا لله وإنا إليه راجعون.