آخر تحديث :الإثنين - 17 يونيو 2024 - 11:57 م

ثقافة وأدب


الرواية.. المصدر الأهم

الأحد - 14 نوفمبر 2021 - 03:29 م بتوقيت عدن

الرواية.. المصدر الأهم

حبيب سروري

ألاحظ أن البعض هنا وهناك، على الفيس، يقول إنه يعتبر قراءة الروايات ضربا من اللهو والتسلية لا غير،
وأحيانا من الموبقات!

عموما، كثيرون في واقعنا العربي يرون فعلا أن الرواية لا يكتبها ولا يقرؤها إلا "الغاوون".

لا أدري
("والله العظيم والله" كما تقول أغنية فرقة "زبدة" الرائعة)
عن أي لهو وتسلية يتحدث هؤلاء الأعزاء!

عموما الرأي السلبي حول قراءة وكتابة الروايات، وهذا النوع من الوعظ الذي نسمعه حول ذلك، له غالبا جذور فقهية دينية عتيقة، ليس هنا مجال نقاشها...

ما أريد قوله للأعزاء: الروايات عموما، أكانت واقعية أم تخييلية، تاريخية أم فلسفية، استباقية أم روايات خيال علمي... ليست للتسلية إطلاقا.

تجد نفسك تخرج بعد قراءة بعض الروايات بدماغ تزدحم فيه التساؤلات والرؤى المنعشة للتأمل والتفكير.

تخرج غالبا بمعارف وإضاءات جديدة حول العالم والتاريخ والمعارف، وخفايا السلوك البشري والطبيعة الإنسانية...

تخرج من قراءة الروايات إما حزينا مقهورا على واقع الإنسان ومآل العالم،
أو متضامنا متعاطفا مع المقهورين والمعذبين في الأرض،
أو أكثر انفتاحا على الآخر،
أكثر مقدرة على تمثّل معاناته وتطلعاته، أكثر تضامنا معه...

يكون دماغك خلال قراءاتها قد عاش غالبا تجارب فريدة "كليّة"،
يزداد إيمانه عموما بالقيم الإنسانية، بالحب، بالجمال...

(بالإضافة طبعا إلى متعة العلاقة باللغة وسحر الكلمات، أثناء قراءة الروايات).

وبالطبع، "الثورة الإنسانية" التي حصلت في القيم والأخلاق والحقوق الإنسانية على طول وعرض كرتنا الأرضية الحبيبة،
منذ عصر الحداثة،
ما كان لها أن تحصل في القرون الأخيرة لولا دور الأدب، وفي مقدمته الرواية.

باختصار: الرواية، منذ عصر الحداثة، المصدر الأهم لاستيعاب الطبيعة الإنسانية، والعالَم، والماضي والحاضر والمستقبل، ولفتح أبواب التأمل والتساؤل...

طلبتُ، قبل أسبوع، من أحد الأصدقاء الذي يعتبرون أن الرواية تُقرأ لمجرد اللهو والتسلية،
أن ينصحني بقراءة ٤ كتّاب يفضًِلهم.
فعلَ صاحبي، وكان اختياره جيدا.

قلت له:
ممتازون جدا هؤلاء المؤلفون المفكرون الرائعون.
بس لعلك قرأتهم جزئيا فقط.
هل تعرف أنهم من كبار قرّاء الروايات؟
الأول يعتبرها منهله الرئيس لاستيعاب الطبيعة الإنسانية (هذا تخصصه).
الثاني يعتبرها مصدره الرئيس لاستيعاب الانثروبولوجيا (بجانب زيارات البحث الميدانية لأصقاع العالم للأبحاث الانثربولوجية).
الثالث يعتبرها مصدرا جوهريا لعلم النفس.
والرابع هو نفسه روائي أصلا!...

شخصيا، أعشق قراءة كتب الفلسفة والانثروبولوجيا والتاريخ...
لكني أجد ضالتي الأولى غالبا، في قراءة الرواية.

(أعشق قراءة الشعر والعلوم طبعا. بس لعلهما، مثل الأوكسجين، حاجة عضوية لا نحتاج لذكرها هنا ربما)،

مثال بسيط:
قبل سنوات أردتُ (للتحضير لزيارة استكشافية لأمريكا الجنوبية، بدأتْ بالجمهورية الدومينيكيه) أن استوعب كل ما حصل عندما توجه كريستوفر كولمبس لاكتشاف "العالم الجديد" (لا أحب هذا المصطلح)،
وعندما بدأ ذلك بوصوله إلى سانت دومانج، عاصمة ذلك البلد.

سألت نفسي: من أين أبدأ؟
إذ يلزمني لهذا المشروع استيعاب:

١) شخصية كريستوفر كولمبس، عائلته، تربيته، طفولته، ما كان يدور في باله، وعلاقاته؟...
٢) كيف ولماذا يقرر إنسانٌ، بحجمه، المغامرة والبحث عن طريق جديد إلى الهند، يتجه نحو الغرب بدلا من الشرق، لم يسبقه له أحد؟
٣) هل لعشق امرأة، أو هل لإنسان آخر، في حياة كولمبس، دورٌ جرّهُ لخوض تلك المغامرة الجنونية؟

ليس ذلك فقط، لكن يلزم ايضا:
٤) معرفة كيف كانت الناس تفكر في غرب أوروبا في نهاية القرن ١٥؟
٥) ما هي المعارف العلمية التي كانت سائدة حينذاك؟
٦) كل تجارب البحّارة وخرائط ذلك الزمن، وكيف كانوا يرون الكرة الأرضية ويقدِّرون المسافات آنذاك؟

٧) الوضع السياسي الأوربي وطبيعة السلطات حينذاك، لا سيما في البرتغال واسبانيا والدول المجاورة: ايطاليا، فرنسا، المانيا، بريطانيا...
٨) يوميات ما حدث لكولومبس قبل وعند وبعد الاكتشاف التاريخي الكبير...

٩) الطبيعة المزدوجة لهذا القبطان التاريخي:
مغامر عظيم متوقد الذهن، مذهلٌ لا يتكرر، من ناحية.
و"طائر الخراب" الأكبر بامتياز من ناحية أخرى: قادت رحلته الاستعمارية بحثا عن الذهب لموت عشرات الملايين من سكان الأمريكتين، عنفا وتعذيبا وحروبا، وتأثرا بأمراض معدية وجوائح جديدة نقلها المستعمِرون...).

أي يلزمني قراءة كتب تاريخ متنوعة، كتب جغرافيا وعلوم البحار، بعض تاريخ رياضيات ومسلمات ذلك الزمن، وعلوم اجتماع...

وجدتُ ("والله العظيم والله" كما تقول أغنية فرقة "زبدة" الرائعة)
مفتاح الخوض في كل أسئلتي هذه، في رواية واحدة (ردّت على مجموع هذه الأسئلة، بل تجاوزتها، في سياق تخييلي في غاية الإبداع؛
وفتحت الشهية للذهاب بعيدا في هذه المواضيع)!

عندما قرأتُ آخر صفحة في الرواية، لاحظت قائمة الشكر الطويلة اللي عملها الروائي:
لمؤرخين، لباحثين في الرياضيات وتاريخها،
لمتخصصين في واقع البحار،
ولكتيبة من ١٥ قارئ من أصدقائه قرأوا عشرات المسودات الأولى من الرواية، وتناقشوا مع الروائي فيها...

قرأتُ اسماءهم بعين تلصصية:
بينهم واحد رئيس جمهورية حالي لا أحبه كثيرا (كان طالبا، حين كتابة صديقهِ لتلك الرواية)،
لكني اعترف بثقافته الواسعة!...

باختصار: عذر صاحبي وغيره (ممن يرون الرواية، من منظور قاصر، منبعا للهوّ والتسلية)،
إذا كان لهم عذر،
أن ما يترجم إلى العربية من الروايات العالمية مجرد قطرة من محيط، لا غير...

ولذلك ربما لم يلتقطوا كما يلزم لماذا تعيش البشرية منذ عصر الحداثة ما يسمى: "زمن الرواية" (بكل ما تُكّثِفهُ وتعنيه هاتين الكلمتين).