آخر تحديث :الخميس - 20 يونيو 2024 - 01:40 ص

كتابات


شهادة حق بحق فقيد العدالة!!

الأحد - 19 مارس 2023 - 11:21 م بتوقيت عدن

شهادة حق بحق فقيد العدالة!!

القاضي صالح عبدالله المرفدي

- منذُ مُدة، عوّدت نفسي كل يوم سبت من كل أسبوع، النشر لبحث أو دراسه في المجال القانوني والفقهي، وفي هذا الاسبوع لم يتمالك عقلي وقلبي، إلا أن اكتب حول الفاجعة الصادمة الذي شهده الوسط القضائي باليمن، وفي عدن بالتحديد، بوفاة المؤسس الأول للقضاء التجاري في عدن.

- لقد كان واجبًا عليّ، أن أدون بأناملي المتواضعه، مقالة موجزة عن علاقتي العمليه المحترمة بالقاضي المعلم/ فهيم الحضرمي، أستاذي وقدوتي، وعرفانًا مني بالجميل الذي قدمه لي في بداية مسيرتي العملية.

- عرفت القاضي/ فهيم بعد تخرجي من معهد القضاء بصنعاء نهاية عام ٩٨، وتم توزيعي للعمل مساعد قاض في المحكمة التجارية م/ عدن، وكانت في بداية تأسيسها في أحدى ملحقات، مبنى مصلحة موانئ عدن في م/ التواهي.

- كان يشرف على عملي شخصيًا، وقال لي في بداية عملي معه وبالحرف الواحد: "أنت أول تلامذتي أكون مسؤولً عليه من خريجي معهد القضاء، وسأهتم أكثر بتأهيلك عمليًا، وسأمنحك الفرصة بكتابة مشاريع أحكام قضائية باشرافي، لكن أريدك بالمقابل، أن تكون حريص على العمل وتبيّض وجهي".

- بالتأكيد طلب مثل هذا من المسؤول عليك في العمل، يحفّزك ويشحذ هممك؛ لبذل أقصى جهد في العمل، ولترك انطباعًا جيد عند الاخرين، وعند الشخص نفسه الذي وضع ثقته فيك.

- تعلّمت منه أساسيات تنظيم ملفات القضايا، من محاضر جلسات، و أوراق الدعوى، ومستندات الخصوم، وكيفية ترتيبها بشكل سلس ومتسلسل، مع تدوين كل صغيره وكبيره في الملف، كما أستفدت منه كيفيه التنظيم والقيد في سجلات المحكمة، يومية الجلسات، وقيد القضايا، وقيد الأحكام، وإيداع المسودات، وجميع سجلات المحكمة… بالإضافة لكيفية إدارة جلسات المحاكمة، وصياغة أجزاء مسودة مشاريع الاحكام والقرارات والأوامر القضائية.

- تميّز القاضي خلال فترة عملي معه ولأكثر من سنتين، بحضوره للدوام يوميًا، وكان لا يغيب إلا في النادر وبمبرر شرعي، كما أهتمّ بحضوره في الصباح الباكر، وانصرافه في أخر الدوام، وغالبًا ما يكون حضوره قبل الموظفين وانصرافه بعدهم.

- كان يشرف على جميع أعمال المحكمة أول بأول "وبشكل شبه يومي"، ليس عن طريق جلوسه في مكتبه، بل يحضر بنفسه لأقسام المحكمة، ويقوم بالاشراف والرقابه والتوجيه والارشاد، من قلم التوثيق، لقلم الكتاب، لقلم التنفيذ، ولجميع الاقسام متابعًا لجميع التوجيهات والاوامر والقرارات والاحكام الصادرة من المحكمة.

- من أهم صفات هذا القاضي، أنه لا يتناول شجرة القات، وهذا الأمر ساعده كثيرًا للحفاظ على علاقه طيبه مع زملائه القضاة والمحامون، يسودها الاحترام المتبادل في سبيل تطبيق القانون وتحقيق العداله، حتّى في علاقته الشخصيه، فقد وضع لها ضوابط بما يكفل ألا تؤثر سلباً في حياده كقاض حُكم.

- بعد مرور أكثر من سنه ونصف تقريبًا من عملي بالمحكمة التجاريه بعدن، وفي أحدى الايام فاجأني القاضي/ فهيم، بتسليمي صوره من "تقرير تقييمي" عن اعمالي خلال الفترة السابقة، واخبرني أن أصل التقرير تم أرساله للتفتيش القضائي؛ لأنهم طلبوا تقرير تقييم عن عملي.. وعموماً التقرير كان سببًا في ترشيح أسمي للذهاب في دورة دراسيه تأهيليه عام ٢٠٠٠م، خاصة بالسادة القضاة الجدد في "المركز القومي للدراسات القضائية" بمصر ولمدة شهر كامل.

- ذهبت للدوره الدراسيه التأهيليه بالقاهره، وتلقيت شهادة تقييم "بدرجة امتياز"، بعد انتهاء الدورة واجراء الامتحانات التحريرية، ولا أخفيكم، كانت هذة الدورة احدى الاسباب الرئيسية لمنحي الولايه القضائية، بعد عودتي من القاهرة بأشهر قليله، وتم منحي الدرجه والولاية كقاض حُكم ابتدائي في محكمة الشيخ عثمان عام ٢٠٠١.

- لم أكن أنا تلميذه الوحيد، بل تتلمذ على يديه العديد من القضاة "حسب علمي"، خاصة في القضاء التجاري، ومنهم القاضي المرحوم/ عبدالكريم سليمان، والقاضي/ نبيل النقيب، والقاضي/ محمد بازي، والقاضي/ صلاح راشد، والعديد من القضاة الذين مرّوا على القضاء التجاري… وإن كنت قد سبقتهم بالتعلم منه، فهذا شرف لي، ويظلّ وسام على صدري، فمن لا يشكر الناس وفضلهم لا يشكر الله.

- أستمر تواصلي مع القاضي فهيم، بعد خروجي من المحكمة التجاريه طيلة هذة الفترة، وكنت دائماً ما الجئ اليه في أزمات العمل؛ للاستفادة من خبرته، وفي نفس الوقت، كان يتواصل معي ويشجعني دومًا على تقديم دراسات وابحاث عن ثغرات القوانين اليمنية، كما يخبرني عن أوضاع عمله، واخرها ما عاشته السلطة القضائية، من أزمه طاحنه عام ٢٠٢٠ استمرت لأكثر من سنه، واقترحت عليه فرصة مواصلة الدراسات العليا في جامعة عين شمس، والابتعاد قليلاً عن الاجواء المشحونه، وبالفعل علمت مؤخرًا، أنه ذهب للقاهره أو المغرب لتسجيل دراسة الدكتوراه، حتى وآفته المنية في القاهرة، لكن ماذا نقول، سوى التسليم لقضاء الله وقدره، فلا حكم لقدره وقضائه عزّ وجل.

- اللهمّ اغفر له، وارحمه، واعف عنه، وأكرم نزله، و وسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وقه فتنة القبر وعذاب النار. وصلّ الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


قاض محكمة نقض
دكتوراه القانون الجنائي
جامعة عين شمس