ليس من المبالغة القول إن السؤال حول مآلات الحوار الجنوبي في الرياض هو سؤال في صميم القضية الجنوبية. غير أن الإجابة عليه لا تحتمل الخطاب العاطفي أو الشعارات، بل تتطلب قراءة سياسية واقعية تراعي ميزان القوى، وطبيعة الدور السعودي، وحدود الحوار نفسه. إذن هل يقود حوار الرياض إلى استعادة دولة الجنوب؟ ..الإجابة الواضحة هي: لا، ليس بشكل مباشر، ولا بصيغته الحالية. غير أنه قد يشكّل محطة تمهيدية إذا أُحسن استثماره سياسيًا ولم يُحمَّل ما لا يحتمل.
الحوار الجنوبي في الرياض: يجري ضمن سقف إقليمي لا يعترف حتى الآن بمشروع الاستقلال الجنوبي.يُدار برعاية دولة لها أولويات أمنية واستراتيجية تتقدّم على الأهداف الوطنية الجنوبية. وبالتالي، فإن هذا الحوار ليس منصة لتقرير المصير،بل إطار لإدارة الخلافات وتنظيم المشهد، لا لحسم القضية.
تتعامل السعودية مع الجنوب انطلاقا من مصالحها الجيوسياسية ، لا تمانع وجود كيان جنوبي قوي نسبيًا.لكنها لا تدعم رسميًا استعادة الدولة الجنوبية.وتفضّل جنوبًا مستقرًا، قابلًا للضبط، وغير مهدِّد لتوازناتها مع المجتمع الدولي و أمن حدودها القومي
لهذا و ذاك أي حوار يُدار برعايتها سيظل مقيّدًا بخطوط حمراء إقليمية لا تسمح بالقفز نحو مشروع سيادي مكتمل.
يدخل وفد المجلس الانتقالي الجنوبي هذا الحوار لمنع تهميشه أو تجاوز تمثيله. ولتكريس نفسه فاعلًا رئيسيًا في المشهد الجنوبي. وبلغة سياسية صريحة ، المجلس الانتقالي في الرياض يفاوض على الموقع والنفوذ، لا على إعلان الدولة.فالقفز فوق سقف الحوار قد يعني خسارة الدور، لا تحقيق الهدف.
يمكن تحويل الحوار إلى رافعة سياسية لكن ذلك مشروط بـتثبيت الجنوب كقضية سياسية مستقلة، و رفض أي مخرجات تُفرّغ القضية من مضمونها السيادي.و بناء مسار موازٍ للحوار: و بأبعاده دبلوماسية خارجية فاعلة وحراك شعبي داخلي واعٍ ، و التركيز على تفويض شعبي . من دون هذه الشروط، سيظل الحوار عبارة عن إدارة أزمة ، لا حل قضية.
الحوار الجنوبي في الرياض لن يُعيد دولة الجنوب.لكنه قد يمنع تفكيك القضية.أو يؤجّل الصدام. أو يخلق هامش حركة سياسية مؤقت.أما استعادة الدولة، فهي قرار شعب،ومسار نضالي سياسي طويل، لا يُمنح في القاعات المغلقة، بل يُنتزع بتراكم القوة والشرعية.
.