آخر تحديث :السبت - 21 مارس 2026 - 05:00 م

كتابات


البحسني.. حين تتحول الصلابة العسكرية إلى براغماتية سياسية محسوبة

السبت - 21 مارس 2026 - 03:42 م بتوقيت عدن

البحسني.. حين تتحول الصلابة العسكرية إلى براغماتية سياسية محسوبة

البرفيسور توفيق جزوليت

في مشهد جنوبي تتنازعه القوى المحلية والإقليمية، يبرز اللواء الركن فرج سالمين البحسني كواحد من أكثر الشخصيات قدرة على البقاء داخل معادلة معقدة دون أن يُستهلك أو يُقصى.


قابلته خلال حرب 1994، التي قمت بتغطيتها ، حين قاد جبهة “خرز إلى الغرب من مدينة عدن" في مواجهة غير متكافئة، تشكلت ملامح قائد لا ينهار تحت الضغط، ولا يندفع دون حساب. تلك التجربة لم تكن مجرد محطة عسكرية، بل كانت تأسيسًا لعقلية قائمة على الصمود والانضباط، وهي ذاتها التي حكمت سلوكه لاحقًا في السياسة.


لكن ما يميز البحسني ليس فقط تاريخه الميداني، بل قدرته على إعادة توظيف هذا الرصيد في فضاء سياسي شديد التعقيد. في حضرموت، لم يخض معاركه بمنطق كسر العظم، بل بمنطق إدارة النفوذ. واجه تمدد الإخوان المسلمين دون أن يدفع المحافظة إلى الفوضى، معتمدًا على مزيج من الحزم الأمني واحتواء المجتمع.


جاءت معركة المكلا 2016 لتمنحه شرعية تتجاوز الرتبة العسكرية، حيث لم يكن الانتصار على تنظيم القاعدة مجرد حدث أمني، بل نقطة تحوّل جعلت منه رقمًا صعبًا في حضرموت والجنوب.


وعندما انتقل إلى موقع المحافظ، لم يسقط في فخ الصدامات السياسية، بل اختار طريق التوازن: أمن مستقر، علاقات محسوبة مع التحالف، وابتعاد عن المغامرات السياسية. وهو خيار قد يبدو أقل إثارة، لكنه أكثر بقاءً في بيئة تميزت بوضع اقتصادي سيء


في موقفه من دخول القوات العسكرية السعودية إلى وادي حضرموت، تتجلى هذه البراغماتية بوضوح. لم يذهب إلى مواجهة مباشرة مع القوى الإقليمية، لكنه لم يمنحها أيضًا أي تفويض . مناشدا الرياض للحوار عوض اللجوء إلى القوة ، تحرك بشكل ديبلوماسي مدركا أن الصدام قد يكلف أكثر مما يحقق.


في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال اللواء الركن فرج سالمين البحسني في موقفٍ عابر أو بيانٍ قابل للتأويل، فالرجل يظل أحد القادة الذين صنعوا فارقًا حقيقيًا في الميدان، وأسهموا في تثبيت الأمن في لحظة كان فيها الجنوب على حافة الانهيار.


لقد أثبت البحسني أن القائد العسكري ليس مجرد منفذ للأوامر، بل صانع واقع حين تتوفر الإرادة والقدرة، وهو ما تجسد في تجربته بحضرموت. أما سياسيًا، فرغم ما يحيط بمواقفه من حذر فإنه يظل فاعلًا أساسيًا في هندسة التوازنات داخل الجنوب، وقادرًا على التأثير في مساراته.


إن أهمية البحسني لا تكمن فقط في ما أنجزه، بل في ما يمكن أن يمثله: جسرًا بين منطق الدولة ومنطق التحرر، بين الواقعية السياسية وطموح الاستقلال. وفي بيئة معقدة كالجنوب ، قد لا يكون القائد الأكثر صخبًا هو الأهم، بل ذاك الذي يعرف متى يحسم ، ومتى يُناور.


وهنا تحديدًا، تتحدد قيمة البحسني: ليس فقط كقائد عسكري ناجح، بل كفاعل سياسي ما زال يمتلك القدرة على إعادة تعريف موقعه في لحظة قد تكون حاسمة في تاريخ الجنوب.