لم تكن حادثة اختطاف ناقلة النفط قبالة سواحل شبوة يوم السبت مجرد خبر أمني عابر في سجل طويل من الاضطرابات البحرية في المنطقة، بل أعادت إلى الواجهة سؤالًا أوسع وأكثر تعقيدًا: هل ما يحدث في البحر العربي امتداد لفوضى محلية متفرقة، أم جزء من مشهد إقليمي يُعاد تشكيله تدريجيًا تحت عناوين الأمن البحري ومكافحة التهديدات غير التقليدية؟
من الناحية الأولى، لا يمكن فصل الحادثة عن البيئة الأمنية الهشة التي تعيشها السواحل اليمنية منذ سنوات. فضعف السيطرة المركزية، وتعدد القوى الفاعلة على الأرض، وامتداد شبكات التهريب والصيد غير القانوني، كلها عوامل تجعل من مثل هذه العمليات—سواء كانت قرصنة أو احتجازًا مؤقتًا أو اشتباكًا بحريًا—احتمالًا قائمًا في كل لحظة. بهذا المعنى، تبدو الحادثة انعكاسًا طبيعيًا لفراغ أمني مزمن أكثر من كونها حدثًا استثنائيًا.
لكن من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن البحر العربي وباب المندب أصبحا في السنوات الأخيرة مسرحًا لتزايد الحضور العسكري الدولي والإقليمي، تحت شعارات متعددة أبرزها حماية الملاحة الدولية ومكافحة القرصنة والتهديدات الإرهابية. وقد شهدنا سابقًا كيف تحولت حوادث القرصنة في البحر الأحمر إلى مبرر لتشكيل تحالفات بحرية دائمة، وإعادة توزيع النفوذ العسكري في واحد من أهم الممرات التجارية في العالم.
من هنا ينشأ سؤال مشروع حول قراءة الأحداث: هل يتم التعامل مع كل حادثة بحرية كواقعة أمنية منفصلة، أم تُدمج في سردية أوسع تبرر استمرار وتعزيز الوجود العسكري الخارجي في المنطقة؟ هذا السؤال لا يعني بالضرورة وجود "تصميم مسبق" وراء كل حادث، لكنه يسلط الضوء على كيفية توظيف الوقائع في الخطاب السياسي والإستراتيجي الدولي.
في المقابل، من المهم الحذر من الوقوع في فخ التفسير التآمري الشامل، إذ إن الواقع في هذه المنطقة شديد التعقيد، وتتشابك فيه مصالح محلية متنازعة، وأطراف إقليمية، واعتبارات دولية تتعلق بالتجارة العالمية وأمن الطاقة. وبالتالي، فإن اختزال حادثة الاختطاف في كونها مجرد "أداة" لإعادة تشكيل الوجود العسكري قد يغفل عن حقيقة أساسية: أن هشاشة الأمن البحري بحد ذاتها كافية لتفسير الكثير من هذه الحوادث دون الحاجة إلى افتراض هندسة سياسية خلف كل واقعة.
في المحصلة، لا تبدو حادثة شبوة مجرد واقعة عابرة يمكن طيّها سريعًا، ولا هي بالضرورة حلقة مخططة ضمن مشروع واحد متكامل. بل هي أقرب إلى نقطة التقاء بين واقع محلي مضطرب، ونظام إقليمي ودولي يتعامل مع هذا الاضطراب بوصفه جزءًا من معادلات الأمن البحري الجديدة.
والسؤال الأهم ليس فقط: ماذا حدث في تلك الليلة؟
بل: كيف تتحول مثل هذه الأحداث إلى جزء من سرديات أكبر تعيد تشكيل خرائط النفوذ في البحر العربي؟
الصحفي صالح حقروص
2026/5/5م