آخر تحديث :السبت - 21 مارس 2026 - 08:04 م

كتابات


شبوة بين خيارين أحلاهما مُرّ

السبت - 21 مارس 2026 - 06:48 م بتوقيت عدن

شبوة بين خيارين أحلاهما مُرّ

كتب / صالح حقروص

لم يكن إعلان محافظ شبوة، الشيخ عوض الوزير، في 3 يناير 2026، تأييده للتحالف العربي وترحيبه بالدعوة السعودية لعقد مؤتمر للقضية الجنوبية في الرياض، مجرد موقف سياسي عابر، بل مثّل نقطة تحوّل حادة كشفت حجم التعقيد الذي تعيشه المحافظة. جاء هذا الموقف متناقضًا مع إعلان السلطة المحلية قبل أيام فقط، في 24 ديسمبر 2025، تأييدها لقرارات المجلس الانتقالي الجنوبي، واعتبارها مسارًا مشروعًا لاستعادة الدولة الجنوبية.

هذا التباين السريع لم يكن بلا ثمن. فقد وجدت السلطة المحلية نفسها في قلب أزمة غير مسبوقة، بعدما كانت شبوة تُقدَّم كنموذج للاستقرار والأمن والتنمية مقارنة بغيرها من المحافظات. اليوم، تقف المحافظة على حافة انقسام سياسي واجتماعي يهدد بتقويض ما تحقق خلال السنوات الماضية.

المعضلة التي تواجهها السلطة المحلية ليست بسيطة، بل هي أقرب إلى معادلة مستحيلة. فمن جهة، هناك ضرورة الحفاظ على النهج السابق المرتبط بالدعم الإماراتي، والذي شكّل ركيزة للاستقرار وكسب ثقة شريحة واسعة من المجتمع. ومن جهة أخرى، هناك واقع جديد تفرضه التوجهات السعودية، التي أصبحت لاعبًا أكثر تأثيرًا في إدارة المشهد، خصوصًا بعد انتقال ملف الدعم المالي والعسكري إليها.

ظاهريًا، قد يبدو أن التغيير اقتصر على الجهة التي تتولى صرف المرتبات للقوات، من الإمارات إلى السعودية، لكن في العمق، كان التحول أكبر بكثير. إذ انعكس ذلك على طبيعة التوازنات داخل المحافظة، وعلى مستوى الثقة بين السلطة والمجتمع، وهو ما ظهر في تراجع شعبيتها وتصاعد القلق من المستقبل.

هنا تبرز الإشكالية الحقيقية: اختلاف الرؤى داخل التحالف نفسه. فالإمارات كانت تدعم مشروعًا واضح المعالم يتمثل في استعادة الدولة الجنوبية وعاصمتها عدن، وهو هدف يحظى بتأييد قطاع واسع من أبناء الجنوب. في المقابل، تتبنى السعودية مقاربة مختلفة، تسعى من خلالها إلى صياغة واقع إقليمي جديد يضم حضرموت وشبوة والمهرة ضمن إطار أكثر اتساعًا يخدم حساباتها الاستراتيجية.

هذا التباين لم يبقَ في حدود السياسة العليا، بل تسرب إلى الداخل الشبواني، ليُعيد تشكيل المشهد على نحو يهدد وحدة الصف. فبدلًا من أن تبقى المحافظة نموذجًا للاستقرار، أصبحت مهددة بانقسامات قد تعصف بنسيجها الاجتماعي والسياسي.

إن ما تعيشه شبوة اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرة قيادتها على الموازنة بين الضغوط الخارجية والحفاظ على الداخل. فالمحافظة لا تحتاج إلى مزيد من الاصطفافات بقدر ما تحتاج إلى رؤية واضحة تحمي مكتسباتها وتمنع انزلاقها نحو المجهول.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع شبوة أن تنجو من لعبة المحاور، أم أنها ستدفع ثمن صراع الإرادات الإقليمية على أرضها؟

الأرجح أن الإجابة ستتوقف على ما إذا كانت شبوة ستظل ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح، أم ستتحول إلى فاعل يمتلك قراره ويعيد ضبط بوصلته وفق أولويات أبنائه. فالتجارب من حولها تشير إلى أن المحافظات التي عجزت عن تحصين جبهتها الداخلية سرعان ما أصبحت رهينة للتجاذبات، بينما استطاعت أخرى أن تقلّص حجم الخسائر حينما قدّمت المصلحة المحلية على ما سواها.

وفي حالة شبوة، فإن الخطر لا يكمن فقط في اختلاف التوجهات بين الحلفاء، بل في انعكاس ذلك على الداخل، حيث يبدأ الانقسام السياسي في التسلل إلى النسيج الاجتماعي، ويتحوّل مع الوقت إلى واقع يصعب احتواؤه. وعند هذه النقطة، لا تعود الأزمة مرتبطة بقرار سياسي قابل للتعديل، بل تصبح أزمة ثقة وهوية واتجاه.

ومع ذلك، لا تزال الفرصة قائمة. فشبوة تمتلك رصيدًا من التجربة في إدارة التوازنات، كما أن موقعها وأهميتها يمنحانها هامشًا للمناورة، إن أُحسن استثماره. لكن هذا يتطلب قيادة قادرة على قراءة المشهد بواقعية، والتعامل مع التحولات بمرونة دون التفريط بالثوابت التي تحافظ على تماسك المحافظة.

إن الهروب من لعبة المحاور لا يعني القطيعة مع الجميع، بل يعني إدارة العلاقات بوعي، بحيث لا تتحول إلى تبعية كاملة لأي طرف. فكلما زادت قدرة القرار المحلي على الاستقلال، تراجعت كلفة الصراعات الخارجية على الأرض.

في النهاية، قد لا يكون بيد شبوة أن تمنع صراع الإرادات الإقليمية من الوجود، لكنها تملك القدرة — إن توفرت الحكمة — على ألا تكون الضحية الأولى له.