آخر تحديث :الخميس - 28 مايو 2026 - 09:37 م

اخبار وتقارير


السكرتير الصحفي للرئيس هادي يروي "شريط الذكريات"

الخميس - 28 مايو 2026 - 09:06 م بتوقيت عدن

السكرتير الصحفي للرئيس هادي يروي "شريط الذكريات"

عدن تايم / خاص

شريط الذكريات مع الرئيس هادي


د. عبدالقادر المحوري


من بين محطات العمر الطويلة تبقى بعض الوجوه أكبر من الذاكرة وأعمق من أن تختصرها الكلمات لأنها لا تعبر في حياتنا مرور العابرين بل تترك أثرها في الروح وفي تفاصيل الأيام وفي نظرتنا للحياة والناس والوطن


ومن خلال معاشرتي لفخامة الرئيس المشير الركن عبدربه منصور هادي كسكرتير إعلامي وصحفي له ربطتنا علاقة تجاوزت حدود الوظيفة والمسميات إلى مساحة إنسانية واسعة جمعت بين هيبة القائد ودفء الأبوة وبين صرامة رجل الدولة ونقاء الإنسان البسيط القريب من الناس


كانت رحلة طويلة امتدت عبر سنوات مثقلة بالأحداث والتحولات ومحطات لا تزال تفاصيلها محفورة في الذاكرة بكل ما حملته من تعب ومسؤولية وأمل

عشنا منعطفات الدولة في السلم والحرب وخضنا معه أزمنة الأزمات والعواصف وشهدنا أياماً عصيبة كانت فيها البلاد تقف على حافة المجهول فيما كان الرجل يحمل هم الوطن بصمت المؤمن وصبر الرجال الكبار

وفي خضم تلك السنوات لم يكن الرئيس هادي مجرد قائد يدير شؤون دولة مثقلة بالجراح بل كان أنساناً يحمل قلباً رحيماً وروحاً متسامحة وحرصاً صادقاً على الناس

مؤمن أن قيمة المسؤولية ليست في السلطة بل في خدمة الناس والوفاء للوطن


كان زاهداً في الأضواء رغم أنه كان في قلب المشهد ومتواضعاً رغم ثقل الموقع وصبوراً في أكثر اللحظات التي كانت تحتاج إلى صبر استثنائي

وكان يفضل العمل بصمت بعيداً عن الضجيج والشعارات مؤمناً أن الوطن لا يبنى بالخطب وحدها بل بالصبر والتحمل والقدرة على الاستمرار وسط العواصف


أتذكر مواقف كثيرة يصعب نسيانها وأياماً يستحيل تجاوزها

ذاكرة كاملة من المشاهد الإنسانية والمواقف التي تكشف معدن الرجل الحقيقي بعيداً عن صخب السياسة وتقلبات الخصوم واختلاف الروايات

ففي لحظات كثيرة بعيداً عن عدسات الكاميرات وضجيج البيانات الرسمية كان يظهر ذلك الجانب الإنساني العميق الذي لا يعرفه كثيرون


لقد قدم فخامته كل ما استطاع من جهد وصحة وعمر من أجل وطنه ومجتمعه وتحمل أعباء مرحلة من أعقد المراحل التي مرت بها اليمن الحديثة

وكان يحمل في داخله أيماناً عميقاً بأن الوطن أكبر من الجميع وأن الدولة هي الملاذ الأخير الذي يجب ألا يسقط مهما اشتدت العواصف


مرت السنوات كأنها عمر كامل تتداخل فيها صور الاجتماعات الثقيلة مع لحظات الصمت الطويلة وتختلط فيها خرائط السياسة بوجوه الناس البسطاء الذين كان يحمل همهم في قلبه قبل أي شيء آخر

وفي كل محطة كنت أزداد يقيناً أن الرجال الحقيقيين لا تقاس قيمتهم بضجيج السلطة ولا بكثرة الظهور بل بقدرتهم على الثبات حين تتهاوى المواقف وتتبدل الوجوه


وقد كان الرئيس هادي وأحداً من أولئك الذين واجهوا أقسى الظروف بإيمان هادئ وصبر نادر دون صخب أو ادعاء

أتذكر جيداً تلك الليالي الطويلة التي كانت البلاد فيها تغلي بالأحداث فيما كان يحمل هم الدولة بكل ما أوتي من صبر

كان يتابع التفاصيل بدقة ويصغي لكل الآراء ويحاول أن يجد منفذاً للأمل وسط الركام

وكان يؤمن أن اليمن مهما تعبت لا بد أن تقوم من جديد وأن الشعوب الحية قد تنكسر لكنها لا تموت

ورغم ثقل المسؤولية وضجيج المعارك السياسية بقي محتفظاً بإنسانيته النادرة

لم يتغير قلبه ولم تفقده السلطة تواضعه ولا قربه من الناس

كان وفياً لمن عرفهم وصادقاً في مشاعره وعلاقاته ويعامل الكثيرين بروح الأب الذي يتسع صدره للجميع

ولعل أكثر ما يؤلم في استعادة تلك السنوات أن كثيرًا من التضحيات ظلت بعيدة عن الأضواء وأن جانباً كبيراً من المعاناة لم يرو كما يجب

فالتاريخ كثيراً ما يكتب بعجالة بينما الحقيقة تحتاج إلى زمن وإلى شهادات تنصف الرجال وتضع الأحداث في مواضعها الصحيحة


ولهذا أكتب اليوم لا بدافع السياسة بل وفاءً لذاكرة عشتها عن قرب وعرفت تفاصيلها بحلوها ومرها

أكتب لأن بعض الرجال حين يرحلون أو يغيبون تبقى سيرتهم جزءًا من ذاكرة وطن كامل لا من ذاكرة أفراد فقط


وحين أتأمل تلك الرحلة الطويلة أجد أن أكثر ما يبقى من الإنسان ليس المناصب ولا البروتوكولات ولا صخب السياسة بل الأثر الذي يتركه في قلوب من عرفوه عن قرب

والرئيس هادي كان من أولئك الذين يتركون أثرًا هادئاً وعميقاً يشبه طمأنينة الآباء وصدق الرجال البسطاء


لقد عرفت فيه رجلاً مؤمناً بأن اليمن يستحق فرصة للحياة مهما تكاثرت حوله مشاريع الخراب

وفي أوقات كثيرة كنت أرى التعب في ملامحه لكنني لم أره يومًا فاقداً لإيمانه بالوطن

كانت الأوجاع أكبر من أن تختصر وكانت التحديات تتجاوز قدرة أي إنسان لكن الرجل ظل متمسكاً بخيط الأمل الأخير مؤمناً أن الدولة يجب أن تبقى وأن اليمن لا يمكن أن يترك لمصيره


ولأنني عايشت تلك المرحلة عن قرب فإنني أدرك جيداً كم كانت القرارات صعبة وكم كانت اللحظات قاسية وكم كان الحمل أثقل من أن يراه الناس من الخارج

فما يبدو في الأخبار سطراً عابراً كان في الحقيقة ليالي طويلة من التفكير والقلق ومحاولات تجنيب البلاد مزيداً من الانهيار والدم

لكن ما أستطيع قوله بضمير شاهد وعشرة سنوات أن الرجل كان صادق النية تجاه وطنه وأنه حمل هم اليمن حتى أثقلته السنوات والأحداث

واليوم حين تمر الذكريات أمامي كشريط طويل أستعيد وجوهاً وأماكن ومواقف وأحاديث لا يمكن أن تمحوها الأيام

أستعيد زمناً كاملاً بكل ما فيه من القلق والأمل والخوف والانتصارات الصغيرة والانكسارات الكبيرة

وأدرك أن بعض المراحل لا تغادر الإنسان أبداً لأنها تصبح جزءًا من تكوينه ووعيه وذاكرته

هذه ليست مجرد ذكريات عمل مع رئيس دولة بل حكاية سنوات عشتها في قلب الأحداث إلى جوار رجل حمل وطناً مضطرباً فوق كتفيه وحاول أن يحافظ على ما تبقى من حلم الدولة ومشروعه الاتحادي


وختاماً،أكتب هذه السطور لا بصفة صحفي عاصر الأحداث فحسب وعمل في قلب مؤسسة الرئاسة فقط بل بصفة إنسان عاش سنوات طويلة إلى جوار رجل حمل وطناً مثقلاً بالجراح فوق كتفيه وحاول بكل ما استطاع أن يجنب اليمن مزيداً من الألم والانهيار


قد تختلف المواقف وتتباين القراءات السياسية لكن تبقى للمعايشة القريبة شهادتها التي لا يستطيع أحد مصادرتها

وشهادتي التي أحملها أمام الله والتاريخ أنني عرفت رجلاً صادقاً في وطنيته مخلصاً في نواياه زاهداً في ذاته مؤمناً أن اليمن يستحق أن يعيش أبناؤه بسلام وكرامة


رحلت الأيام وبقيت الذكريات

وبقيت صور لا تغادر الذاكرة ومواقف تختصر معادن الرجال الحقيقيين حين تضيق الأوطان وتشتد المحن


وسيظل المشير الركن عبدربه منصور هادي بالنسبة لي صفحة استثنائية في رحلة العمر وتجربة لا يمكن اختصارها في عنوان سياسي أو منصب رسمي بل حكاية إنسان ووطن ومرحلة كاملة من تاريخ اليمن الحديث بكل ما حملته من وجع وأمل وصبر وتضحيات


رحم الله الأيام التي جمعتنا وحفظ الله الوطن وأهله من كل سوء

وجعل لهذا البلد المنهك فجرًا يليق بتضحيات أبنائه وأحلامهم .


السكرتير الصحفي للرئيس هادي