آخر تحديث :السبت - 13 يونيو 2026 - 12:57 ص

قضايا


رسالة إلى حكومة الزنداني : مبادرة وطنية شاملة للطاقة المتجددة لمواجهة أزمة الكهرباء

السبت - 13 يونيو 2026 - 12:21 ص بتوقيت عدن

رسالة إلى حكومة الزنداني : مبادرة وطنية شاملة للطاقة المتجددة لمواجهة أزمة الكهرباء

كتبه / عبدالعزيز بن مسيبع

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحلول المؤقتة والترقيعية، كالمنح الخارجية، او التغييرات الادارية، كلها لم تعد قادرة على معالجة أزمة الكهرباء، بل أصبحت تستنزف الوقت والموارد دون تحقيق استقرار حقيقي للمواطنين او حل للأزمة .


فمع كل صيف تتجدد المعاناة، وتتكرر الوعود، وتُضخ مبالغ ضخمة في إجراءات إسعافية لا تلبث أن تتلاشى آثارها خلال أيام، بل وفي معظم الأحيان لا يظهر أي اثر لها على ارض الواقع، ويقتصر وجودها في وسائل الإعلام .


تفرض هذه الظروف السعي للقيام بتغيير جذري في طريقة إدارة أزمة الكهرباء، والانتقال من المعالجات المؤقتة إلى حلول عملية تقلل اعتماد المواطنين على الشبكة العامة وتوفر لهم مصادر أكثر استقراراً للطاقة.


وانطلاقاً من ذلك، تبرز الحاجة إلى تبني مبادرة وطنية للتوسع في استخدام الطاقة البديلة باعتبارها أحد أكثر الخيارات واقعية وقابلية للتنفيذ في المدى القريب والمتوسط .


بنود المبادرة كالتالي :


1- إعفاء كامل لمعدات وأجهزة الطاقة المتجددة، الألواح الشمسية والبطاريات والإنفرترات ومنظمات الشحن وكافة الملحقات المتعلقة بالطاقة المتجددة، من الرسوم الجمركية والضرائب والرسوم الحكومية الأخرى، بما يؤدي إلى خفض أسعارها للمستهلك النهائي.


2- وفي المقابل، يتم إلزام تجار وموردي معدات الطاقة المتجددة بعكس أثر التسهيلات والإعفاءات والحوافز الحكومية على الأسعار النهائية للمستهلك، بما يضمن خفض تكاليف هذه السلع ويضمن وصول آثار الدعم إلى المواطنين بصورة مباشرة.


3- إنشاء لجنة حكومية مكونة من وزارة التجارة والصناعة ووزارة الكهرباء وممثلين من السلطات المحلية لمراقبة سوق الطاقة البديلة في كل محافظة ومنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، ونشر أسعار استرشادية بصورة دورية لتعزيز الشفافية وحماية المستهلك .


4- إطلاق برنامج وطني للقروض الميسرة بالتنسيق بين الحكومة والبنوك المحلية ومؤسسات التمويل الأصغر، بحيث يتم تقديم قروض ميسرة وطويلة الأجل لتمكين المواطنين من شراء منظومات الطاقة الشمسية وسداد قيمتها على أقساط مريحة دون فوائد .


5- توجيه نسبة معتبرة من مخصصات الكهرباء والمنح والمساعدات الخارجية المخصصة لقطاع الكهرباء للعامين القادمين لإنشاء منظومات طاقة بديلة للمدارس الحكومية والمستشفيات الحكومية والمباني والمؤسسات الحكومية خلال هذه الفترة في جميع المحافظات والمناطق الواقعة ضمن نطاق سيطرة حكومة د.شايع الزنداني .


6- تشجيع الاستثمار المحلي في قطاع الطاقة البديلة لتقديم تسهيلات وحوافز للمستثمرين الراغبين في إنشاء مشاريع لتجميع أو تصنيع بعض مكونات أنظمة الطاقة الشمسية محلياً، بما يسهم في خلق فرص عمل وخفض التكاليف مستقبلاً.


7- إنشاء صناديق دعم محلية للطاقة البديلة في كل محافظة، تُموَّل من جزء بسيط من ميزانيات السلطات المحلية، ودعم رجال الأعمال والشخصيات الاعتبارية والمؤسسات المجتمعية، لتقديم الدعم للفئات الأشد فقراً من المواطنين بما يتيح لهم الحصول على منظومات الطاقة الشمسية، مع تشكيل لجنة رقابية في كل محافظة تضم ممثلين عن السلطة المحلية وشخصيات اجتماعية ووجاهات اعتبارية، تتولى الإشراف على آلية توزيع المساعدات وضمان وصولها إلى المستحقين، وفق معايير شفافة وعادلة تمنع أي إساءة لإستخدام أو انحراف في توجيه الدعم.


8- بعد إحراز تقدم في تنفيذ المبادرة، يتم البدء بإعادة جدولة برنامج التشغيل بما يضمن تخصيص الجزء الأكبر من ساعات التشغيل للفترة المسائية بإعتبارها الفترة الأكثر احتياجاً للمواطنين .


9- بعد مرور ثلاثة اعوام على تطبيق هذه المبادرة، يتم تشكيل لجنة حكومية لدراسة تأثير هذه المبادرة وتقييمها ورفع تقارير شاملة حول نتائجها وإعادة النظر في آليات عمل منظومة الكهرباء الحكومية .


الحل الاكثر واقعية للأزمة قد يكون في هذه المبادرة، فالتوسع المنظم في استخدام الطاقة البديلة يمثل أحد أكثر الحلول واقعية وقابلية للتنفيذ، بل ويُعد الحل الإسعافي الحقيقي القادر على إحداث أثر ملموس خلال فترة زمنية معقولة .


ولعل التجربة اللبنانية تقدم مثالاً واضحاً على قدرة الطاقة الشمسية على التخفيف من آثار انهيار أو ضعف منظومة الكهرباء العامة، حيث اتجه مئات الآلاف من المواطنين والمؤسسات إلى الاعتماد على الطاقة البديلة لتأمين احتياجاتهم الأساسية من الكهرباء، غير أن نجاح هذا التوجه ارتبط بالدعم الحكومي الذي تجسد في جملة من الإجراءات والحوافز، من بينها أحكام المادة (72) من قانون الموازنة العامة اللبنانية لعام 2022 القاضية بإعفاء السلع والمعدات المرتبطة بمنظومات الطاقة المتجددة، فضلاً عن تمتع المواطنين اللبنانيين بقدرة شرائية تفوق نظيرتها لدى المواطنين في بلادنا بعدة أضعاف.


ومن هنا تبرز الحاجة إلى تبني سياسات حكومية داعمة ومحفزة للتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، كما تقترحه هذه المبادرة، لا ان يترك انتشار الطاقة المتجددة رهناً بالإمكانات الفردية المحدودة للمواطنين في بلادنا، وذلك لضمان توسيع نطاق الاستفادة من المبادرة وتحويل الطاقة المتجددة إلى خيار متاح للجميع .


ولا تقتصر التوجهات الحكومية الداعمة للطاقة المتجددة على لبنان فحسب، بل أصبحت نهجاً تتبناه العديد من الحكومات العربية، كموريتانيا التي اصدرت مؤخراً قراراً بإعفاء الألواح الشمسية من الرسوم الجمركية (راجع تصريح رئيس اتحاد ارباب العمل في موريتانيا في مارس الفائت)، وكذلك الاردن التي اعلنت اعفاء السلع والمدخلات المرتبطة بالطاقة المتجددة من الرسوم الجمركية والضرائب (راجع الاعلان الحكومي في اغسطس ٢٠٢٤)، وحتى في الجمهورية اليمنية، لكن من الجانب الآخر، في المناطق الواقعة ضمن سيطرة سلطة صنعاء، أعلنت الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة فرع صنعاء في يوليو من العام الفائت عن قرار مشابه للقرار الأردني .


وعليه، فإن المقترح الوارد في هذه المبادرة لا يمثل طرحاً استثنائياً أو غير مسبوق، بل يستند إلى سياسات وتجارب مطبقة في عدد من الدول والبيئات التي واجهت تحديات مشابهة في قطاع الكهرباء.


من أبرز ما يميز هذه المبادرة التي نقترحها أنها تحافظ على الطابع الحكومي لقطاع الكهرباء بوصفه مرفقاً عاماً أساسياً، مع تقليل الاعتماد عليه تدريجياً دون إلغائه أو إنهاء دوره، وبنفس الوقت تسهم في معالجة الأزمة الراهنة وتقلص آثار ضعف الكهرباء الحكومية بصورة ملموسة، كما أن نجاح هذه المبادرة قد يسهم في تخفيف الأعباء المالية التي تتحملها الحكومة نتيجة الإنفاق المستمر على المعالجات الإسعافية لقطاع الكهرباء، الأمر الذي قد يتيح توجيه جزء من الموارد العامة نحو معالجة أولويات أخرى لا تقل أهمية، وفي مقدمتها ملف الرواتب .


وقد تكون هذه المبادرة بأعين البعض ليست الحل المثالي الكامل الذي ينهي أزمة الكهرباء من جذورها، لكنها تمثل حلاً واقعياً يمكن البدء به اليوم؛ فالأزمات الكبرى لا تُعالج بالأمنيات، ولا بالتنديد المستمر بدون رؤية واضحة، ولا بإنتظار حلول مثالية قد تتأخر سنوات طويلة قبل أن تصبح قابلة للتنفيذ.


ما يحتاجه المواطن اليوم هو خطوات عملية تخفف من معاناته وتحقق أثراً ملموساً في حياته، فبين الاستسلام للواقع والطموح إلى مشاريع ضخمة لا تراعي الواقع السياسي والاقتصادي للبلاد، يبقى العمل على تحقيق الممكن هو الخيار الأكثر جدوى.


كما أن تبني هذه المبادرة لن يُغني مستقبلاً عن ضرورة إصلاح قطاع الكهرباء الحكومية وإعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، لكنه يشكل حلاً إسعافياً حقيقياً، وخطوة عملية نحو بناء مسار إصلاح شامل ومستدام لمنظومة الكهرباء وقطاع الطاقة بشكل عام.