آخر تحديث :الثلاثاء - 28 يوليو 2026 - 12:15 ص

كتابات واقلام


حين تصبح الدماء حبرًا للتاريخ، والمنح الدراسية صكوكًا للخيانة ​

الإثنين - 27 يوليو 2026 - الساعة 11:51 م

يحيى أحمد
بقلم: يحيى أحمد - ارشيف الكاتب


​انظروا إلى هذا الوجه... إنه وجه الجنوب الطاهر، وجه "شهيم محمد العلاج". قبل ثلاث سنوات، كان هذا الشاب يخط مستقبله الواعد بمعدل خرافي (99.25%) في الثانوية العامة. كانت أحلامه تعانق السماء، وكان الجنوب ينتظر منه أن يكون طبيبًا يداوي الجراح، أو مهندسًا يبني الديار، أو عالمًا يرفع اسم بلده عاليًا.

​ولكن، عندما ناداه الواجب، لم يتردد، ترك طموحاته الأكاديمية خلف ظهره، وحمل روحه على كفه، والتحق بصفوف القوات المسلحة الجنوبية، وفي جبهة الضالع الصامدة، سطر ملحمة البطولة والفداء، وارتقى شهيدًا مدافعًا عن أرضه وعرضه في وجه الهجوم الغادر لمليشيات الحوثي الإرهابية. لقد آثر أن يكتب تاريخ بلاده بدمائه الزكية، بدلاً من أن يكتب مستقبله بالحبر.

​وفي الوقت الذي يقدم فيه خيرة شباب الجنوب أرواحهم قرابين للحرية، نرى مشهدًا سرياليًا مقززًا. ففي أروقة "الشرعية" المهترئة، ينعم أبناء وأقارب المسؤولين والقيادات (الذين سلموا أرضهم وبلادهم للحوثي) بالمنح والبعثات الدراسية المرموقة، حتى أولئك الحاصلين على تقديرات "مقبول" أو "جيد". يا للسخرية! فبينما يدفن الجنوب أبطاله المتفوقين في تراب جبهات العز، يحتفل خونة الوطن بحصول أبنائهم الفاشلين على فرصة للدراسة في الخارج، بأموال الشعب الذي يذبحونه كل يوم.

​نعم، ياشهيم... لقد أصبت كبد الحقيقة. فكما كتبت في حالتك الأخيرة على الواتس آب: "كل شيء يدفن إلا تاريخ الرجال". لقد صاغت هذه العبارة البسيطة فلسفة عميقة للحياة والموت. فكل شيء زائل؛ القصور، الأموال، المناصب، وحتى الأجساد. ولكن تاريخ الرجال العظماء، تاريخ التضحية والفداء، لا يندثر أبدًا،سيظل محفورًا في ذاكرة الأجيال، يلهمها ويوجهها نحو طريق الحق والحرية والكرامة.

​دمك يا شهيم لم يذهب هدرًا، بل روى شجرة الحرية التي ستزهر يومًا ما. وتضحيتك فضحت زيف ، خونة الأوطان وتجار الحروب،ستبقى ذكراك خالدة في قلوب الأحرار وستظل عباراتك الأخيرة نبراسًا يضيء لنا الطريق. الخلود للشهداء، والعزة للجنوب، والذل والعار للخونة والفاسدين.
#يحيى_أحمد