في الثامن عشر من يونيو 2012، غادرنا هذا البطل المغوار، بعد أن قدّم لعدن والجنوب، ولشعبٍ أنهكه احتلال عصابات صنعاء، ما لم يقدّمه أي رجل آخر في طول الجنوب وعرضه. وفي هذه الذكرى الأليمة، أقف عند وميضٍ واحدٍ من سيرته العطرة، لعلّه يختصر تجربتي معه في سبع عشرة ساعة من الحرب الضارية ضد مقر صحيفة "الأيام"
أولاً: حصار العرين
لم يهزم هشام باشراحيل حين حاصرت المدرعات منزله، ولم ينكسر حين انطفأت الكهرباء وانقطعت المياه، ولم يستسلم حين تحولت سماء كريتر إلى نار ورصاص، ولم يرفع الراية البيضاء حين أغلق السجن أبوابه، ولم يسقط أمام قضاة وشهود الزور، ولم يغادر المعركة حتى بعدما بدأ المرض ينهش جسده، ولم يشكو حتى حين منع رشاد العليمي تجديد جواز سفره وبعد أن تمكن المرض من جسده, حملته الغربة إلى سرير العلاج في ألمانيا، ثم عاد إلى عدن محمولاً على الأكتاف، بعدما عجزت الدولة التي حاصرته حياً عن أن تنتصر عليه ميتاً.
لم يكن هشام باشراحيل مجرد ناشر صحيفة؛ كان رجل قضية. وحين قررت سلطة علي عبدالله صالح أن تُسكت "الأيام" بالقوة، انتدبت مجرم الحرب، نائب رئيس مجلس الوزراء للدفاع والأمن، المدعو رشاد العليمي، صاحب التصريح المشهور بأن "الأيام تمتلك ترسانة أسلحة لا تتوفر في اليمن، وأنها صنيعة الاستعمار البريطاني، وتثير دعوات الانفصال ضد الوحدة". لم تكن الدولة تستهدف جدران مؤسسة صحفية، بل كانت تريد كسر رجل رفض أن تتحول الكلمة إلى شاهد زور.
في مساء ذلك اليوم المشؤوم من يناير 2010، تحولت كريتر إلى ثكنة عسكرية، وأحكمت مدرعات الجيش وقوات الأمن ومكافحة الإرهاب حصارها على منزل صغير في الروزميت، بينما امتلأ ملعب الحبيشي بالجنود، وأغلقت المدينة، واستعدت السلطة لمعركة غير متكافئة ضد بيت لا يتجاوز طابقين. لكن داخل ذلك البيت، كان هشام باشراحيل يجلس كالأسد في عرينه؛ لم يصرخ، ولم يرتبك، بل كان هادئاً بصورة أذهلت الجميع. جلس في المجلس الصغير، والهاتف لا يفارق يده، يفاوض المحافظ، ويتحدث مع الوسطاء، ويتصل بالقيادات السياسية، ويوزع الرجال على مواقعهم، ويوجه الحراس، ويطلب من النساء النزول إلى الطوابق السفلى، ويهدئ الأطفال الذين اختنقت أنفاسهم بقنابل الغاز.
كان القصف يشتد، وقذائف الـ"آر بي جي" تدمي الجدران، والرصاص يخترق النوافذ، والدخان يملأ المكان، والرجال يترقبون الأسوأ، لكنه ظل مردداً:
"هذه بيوتنا، وهذه كرامتنا، ولن نخرج إلا أحراراً أو شهداء".
وحين قُتل سلام اليافعي غدراً، أدرك هشام أن الوسطاء الذين ملأوا الهواتف وعوداً لم يملكوا شيئاً. خان الوساطات أصحابها، وأغلقت الهواتف، وصمت الرجال، وبقي هشام وحيداً يواجه الدولة كلها. في الخارج، كان رشاد العليمي يتحدث عن ترسانة أسلحة وميليشيات، بينما الرجل المحاصر كان يفاوض من أجل إخراج الجرحى وإنقاذ الأطفال والنساء والمحاصرين الذين بلغوا 50 شخصا داخل مبنى لا يتجاوز مساحته 20/ 20 مترا . وفي الداخل، كان الصغار يختبئون تحت الطاولات، والنساء يرتلن القرآن، والرجال يختنقون بالدخان، بينما هشام باشراحيل يدير الأزمة بهدوء القادة، وصلابة الرجال الذين لا يتعلمون الشجاعة من الكتب.
ثانياً: خلف القضبان.. مواجهة الزور
انتهت الحرب، لكن رحلة العذاب لم تنتهِ. خرج هشام من الحصار إلى السجن: مئة وثمانون يوماً خلف القضبان، مئة وثمانون يوماً من التحقيقات والإذلال والأسئلة العبثية، فيما كانت السلطة، بقيادة علي عبدالله صالح ومسؤول الدفاع والأمن وحماية الوحدة، رشاد العليمي، تُصر على تصوير الأقلام كأنها بنادق، والصحفيين كأنهم عصابة. ثم جاءت المحكمة، مسرحية طويلة من الاتهامات وشهود الزور. لكن الحقيقة كانت أقوى؛ إذ وقف بعض الشهود أنفسهم أمام القاضي ليكشفوا كيف تعرضوا للترهيب والضغط من أجل تلفيق التهم. فسقطت الرواية، وسقطت الأكاذيب، وبقي هشام واقفاً.
ثالثاً: الغربة.. والموت الذي لم يهزمه
لكن السجن ترك آثاره؛ خرج الرجل، ولم يخرج المرض من جسده. وحين أراد السفر للعلاج، طاردته السلطة حتى في جواز سفره، وكأنها أرادت أن تحاصره حتى في أنفاسه الأخيرة. وحين رضخت للضغوط الشعبية، كان الوقت قد سبق الجميع. سافر إلى السعودية، ثم إلى ألمانيا، وهناك، بعيداً عن عدن التي أحبها، أسلم الروح. عاد جثماناً، لكن عدن خرجت كلها لاستقباله؛ كان الآلاف يهتفون: "يا هشام يا تمام... نحن أنصار الأيام".
في يوم تشييعه العظيم ..في شوارع كريتر القاضي والقطيع والزعفران امتلأت بالرصاص والاطقم والحصار المطبق على الجنازة والمشيعين. وسقط حينها عدد من الجرحى ..ولولا تدخل الرجل السياسي باصرة الدكتور بتهدئة الأمر لكانت حصلت مجزرة لا يحمد عقباها..ذلك الرجل الزاهد وقف على قبر الشهيد بعد تفريغ المشيعين أكثر من ساعة يبكيه تارة ويدعو له تارة أخرى..
اليوم، وبعد أربعة عشر عاماً على رحيله، لا يتذكر الناس الرجل لأنه كان صاحب صحيفة، بل لأنه كان رجلاً وقف في وجه دولة، وحصار، وسجون، ومحاكم، ومرض، وغربة، دون أن ينكسر. ولهذا، فإن عتاب الناس لأبنائه ليس لأنهم أبناء هشام باشراحيل، بل لأنهم أبناء رجل استثنائي، كان كبيراً في خصوماته، كبيراً في انتصاراته، كبيراً في هزائمه، كبيراً في سجنه، وكبيراً حتى في موته.
رابعاً: يا أبناء هشام.. كلمة عتابٍ لا تُردّ
يا أبناء هشام...
لا تجعلوا الاسم الذي حماه والدكم بالرصاص والسجون والمحاكم يضيع في صغائر الخلافات.
ولا تجعلوا الرجل الذي واجه "عفاش" و"العليمي" والدولة بأسرها، يبدو صغيراً في مرآة الأيام.
فالناس لا تقارنكم بالآخرين؛ إنها تقارنكم بهشام باشراحيل.
ملاحظة.
هناك كتاب تحت المراجعة
حول جرائم نظام صنعاء ضد حرية التعبير في الجنوب ..الحراك السلمي الجنوبي وصحيفة الأيام انموذجا ...2007/ 2014 دراسة تحليلية توثيقية