من المؤكد أن الكلام، في السياسة خصوصًا، لا ينفصل عن المكان أو السياق الذي يُقال فيه، ولا عن الظروف التي تحيط بصاحبه، ولا عن مقدار الحرية التي يملكها وهو يتحدث هناك أصوات لا يكفي أن نسمعها كي نصدقها..
ومن هنا تبدو بعض الأصوات الجنوبية الخارجة من صنعاء اليوم جديرة بالتوقف والتأمل، لا لأنها أصوات جنوبية فحسب، ولا لأنها تصدر عن شخصيات لها حضور أو تاريخ سياسي، وإنما لأن السؤال الذي يسبق كل شيء هو: هل يتحدث هؤلاء (الرهائن) فعلًا بما يؤمنون به، أم أن هناك من يتحدث بألسنتهم؟
في صنعاء يعيش عدد من الجنوبيين منذ سنوات، وبعضهم تولى مناصب كبيرة، وما زال بعضهم يحتفظ بمواقع سياسية أو اعتبارية. ومن بينهم شخصيات لا تتردد في ترديد الخطاب الحوثي والصرخة الحوثية، بل إن بعض تصريحاتها تكاد تتطابق في نبرتها ومفرداتها مع ما تقوله جماعة الحوثي وتريد إيصاله إلى الجنوبيين. ومنهم من يبالغ ويجعل نفسه حوثيا أكثر من الحوثة أنفسهم. والأرجح ان سبب ذلك خوفه على الفنادق والعقارات الكثيرة التي يمتلكها في صنعاء أو الأراضي الشاسعة التي منحت له في تهامة.
وليس من حق أحد أن يصادر على أي إنسان حقه في تغيير موقفه السياسي. فالسياسة مجال مفتوح للاختلاف، ومن حق الجنوبي، كما هو حق غيره، أن يؤيد أو يعارض، وأن يراجع قناعاته، وأن يتخذ الموقف الذي يراه مناسبًا.
لكن المشكلة تبدأ عندما نضع هذه المواقف في سياقها الأوسع، ونسأل عن حرية صاحبها في الحركة والاختيار.
فبعض هؤلاء الذين يتحدثون اليوم من صنعاء لا يستطيعون، كما يبدو، أن يغادروها متى أرادوا، حتى عندما يتعلق الأمر بالعلاج أو بظروف إنسانية خاصة. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يخرج من المدينة التي يعيش فيها، فإلى أي حد يمكن أن نطمئن إلى أن صوته السياسي خارج من إرادته وحدها؟
هذه ليست محاولة لإدانة شخص بعينه، بقدر ما هي محاولة لفهم الشرط السياسي الذي يُنتج الكلام.
فالحرية لا تعني فقط أن يسمح لك أحد بالكلام، وإنما تعني أيضًا أن تكون قادرًا على الصمت إذا أردت، وأن تقول (لا) حين تشاء، وأن تغادر المكان الذي أنت فيه إذا لم تعد ترغب في البقاء. أما أن يكون لك الحق في الكلام، بينما لا تملك الحق في الحركة، فهذه حرية ناقصة، بل قد تتحول إلى شكل آخر من أشكال السيطرة.
ولعل حالة خالد باراس، الذي قضى نحبه في صنعاء ولم يتمكن من مغادرتها، تظل مثالًا مؤلمًا يستحق أن نتذكره ونحن نقرأ بعض الأصوات الجنوبية القادمة من هناك. فالموت في المكان الذي لم يستطع المرء مغادرته يطرح أسئلة تتجاوز الشخص نفسه، لتصل إلى طبيعة الظروف التي عاش في ظلها.
ولذلك، فإن القضية ليست: هل كان خالد باراس أو غيره جنوبيًا؟ ولا: هل كان له تاريخ سياسي معروف؟ وإنما: ما مقدار الحرية التي كانت متاحة له؟
وهنا تحديدًا ينبغي أن نتعامل بحذر مع التصريحات التي تصدر عن بعض القيادات والشخصيات الجنوبية الموجودة في صنعاء. لا ينبغي أن نمنحها تلقائيًا صفة (الصوت الجنوبي)، لمجرد أن أصحابها ينحدرون من شبوة أو أبين أو حضرموت أو غيرها من مناطق الجنوب. فالهوية الجغرافية لا تجعل الكلام مقدسًا، والتاريخ السياسي لا يمنح صاحبه حصانة من السؤال.
بل إن السؤال يصبح أكثر ضرورة عندما تتطابق تلك التصريحات، بصورة لافتة، مع الرواية التي تريد جماعة الحوثي أن يسمعها أبناء الجنوب.
هل نحن أمام قناعات سياسية حرة؟ أم أمام أصوات يجري توظيفها في معركة سياسية؟
لا يمكننا أن نجزم بما يدور داخل نفوس أصحاب هذه التصريحات. لكننا، في المقابل، لسنا ملزمين بتعليق عقولنا أمامها. ومن حق الصحافة أن تسأل، ومن حق الجمهور أن يشك، ومن حق المتلقي أن يضع الكلام في سياقه، وأن يتساءل عن الظروف التي قيل فيها.
فالسلطة التي تملك القدرة على التحكم في حركة الأشخاص تستطيع، في الوقت نفسه، أن تستفيد من أصواتهم. وقد يكون توظيف الصوت أحيانًا أكثر فاعلية من اعتقال الجسد؛ لأن الصوت الموظف يصل إلى أهله وأصدقائه وبيئته الاجتماعية، ويبدو في الظاهر كأنه صادر عن واحد منهم، بينما قد تكون وظيفته الحقيقية إيصال الرسالة التي تريدها السلطة.
وهذا هو مصدر القلق في حالة بعض الأصوات الجنوبية من صنعاء.
فقد يكون المتحدث، في نظر المتلقي البعيد، جنوبيًا يتحدث إلى الجنوبيين، لكن السؤال الذي يجب ألا يغيب هو: هل يتحدث إليهم، أم يُتحدَّث به إليهم؟
إن الفرق بين السؤالين هائل.
وإذا كانت جماعة الحوثي تريد منا أن نصدق أن هذه الشخصيات الجنوبية تتحدث بحرية كاملة، فليس أمامها سوى أن تقدم البرهان الأبسط: اتركوهم يغادرون صنعاء.
دعوا من يريد منهم أن يسافر إلى مصر أو الأردن أو تركيا، أو إلى أي بلد يختاره، للعلاج أو للإقامة أو لأي سبب آخر. دعوه يسافر من دون قيود، ثم اتركوا له حرية العودة أو عدم العودة.
عندها ستصبح أقواله أكثر قابلية للقراءة بوصفها مواقف شخصية مستقلة.
أما أن يبقى الجنوبي رهينا داخل صنعاء، غير قادر على مغادرتها متى شاء، ثم يُطلب منا أن نتعامل مع كل ما يقوله باعتباره تعبيرًا حرًا ومستقلًا، فهذه معادلة تحتاج إلى كثير من علامات الاستفهام.
واللافت أن هذه البلدان نفسها ليست بعيدة عن قيادات جماعة الحوثي؛ فكثير من الشخصيات المرتبطة بها تعرف جيدًا طرق السفر إليها، وتتنقل خارج اليمن متى اقتضت مصالحها ذلك. فلماذا لا تكون حرية الحركة نفسها متاحة للجنوبيين المقيمين في صنعاء؟
إن السماح لهم بالسفر سيكون اختبارًا بسيطًا، لكنه حاسم.
دعوا الصوت يخرج من صنعاء، ثم اسألوا الجنوبيين أن يصغوا إليه.
أما أن يبقى الصوت محاصرًا في المكان، ثم يُدفع به إلى خارج المكان ليخاطب أهله، فذلك يجعلنا أمام احتمال آخر: أن تكون المسافة بين المتحدث والمتلقي هي المسافة التي تحتاجها الدعاية كي تعمل.
لهذا لا ينبغي للجنوبيين أن يمنحوا كل تصريح صادر عن فلان الشبواني أو علان الأبيني أو غيرهما من المقيمين في صنعاء أهمية تتجاوز حجمه، ولا أن ينظروا إليه باعتباره حكمًا نهائيًا على مستقبل الجنوب أو خياراته. عليهم أن يسمعوا، لكن عليهم أيضًا أن يسألوا: من أين يأتي هذا الصوت؟ وتحت أي شروط قيل؟ وهل يستطيع صاحبه أن يذهب إلى حيث يشاء إذا أراد؟
ففي السياسة، لا يكفي أن نعرف ماذا قال الرجل؛ علينا أن نعرف أيضًا أين قاله، ولماذا قاله، وما الذي يستطيع فعله لو قرر أن يقول عكسه.
إن الحرية ليست ميكروفونًا مفتوحًا فحسب. الحرية باب تستطيع أن تخرج منه.
ومن هنا يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا:
من خلف جدران صنعاء.. هل يتحدث الجنوبيون أم يُتحدَّث بألسنتهم؟
والإجابة، في نهاية المطاف، لا تحتاج إلى خطبة طويلة؛ يكفي أن تُفتح الأبواب، وأن يُسمح لهم بالسفر، ثم نسمع ماذا سيقولون.