للأسف، وصلنا اليوم في نهاية 2026 إلى النتيجة المؤلمة التي حذّر منها الباحث الأمريكي مايكل نايتس قبل سبع سنوات.
في أغسطس 2019 كتب نايتس في Lawfare مقالًا أراه من أكثر ما شخّص مبكرًا أزمة الحرب ضد الحوثيين، وكذلك الخلافات داخل الجبهة التي تقاتلهم. والرجل لم يكتب من بعيد؛ زار جبهات اليمن أربع مرات خلال 2018، وعاش مع القوات الإماراتية والجنوبية وشاهد طريقة عملها على الأرض.
خلاصة ما يقوله نايتس بسيطة ومهمة ان الإمارات كانت تدير وتدعم معظم المعارك البرية، والقوات المحلية، وفي مقدمتها القوات جنوبية في جبهات عدة، تقاتل وتحرر وتمسك الأرض. لكن القرار الأكبر للحرب، سياسيًا وجويًا وإعلاميًا، كان في الرياض.
نايتس لم يسمها (الفجوة الاستراتيجية)، أنا أسميها كذلك. لأن المشكلة لم تكن في قدرة القوات على الانتصار، بل في السؤال الذي يأتي بعد الانتصار: ماذا ستفعل به؟
تقدمت القوات في الساحل الغربي حتى جاءت ستوكهولم وأوقفت معركة الحديدة أواخر 2018. وبعد أشهر بدأت الإمارات الانسحاب. يومها حذّر نايتس من فراغ سيصب في مصلحة الحوثيين، ومن عودة الخلافات داخل الجبهة التي تقاتلهم. وما كان تحذيرًا عام 2019، نرى كثيرًا من نتائجه اليوم.
حتى الحرب على القاعدة تشرح الفكرة. أمريكا قدمت المعلومة والاستخبارات والقدرة الضاربة، الإمارات أدارت ونسقت، والقوات المحلية قاتلت وأمسكت الأرض. وبحسب نايتس، نجحت هذه المعادلة في ضرب القاعدة وإضعاف حاضنتها.
والرجل لم يكن يكتب دعاية للإمارات. في المقال نفسه انتقدها في ملف حقوق الإنسان، واتهمها بعدم الضغط بما يكفي على بعض حلفائها المحليين لوقف الاعتقالات غير القانونية والتعذيب، وقال إن ذلك أضر بسمعتها.
لكن ما يهمني اليوم ليس الدفاع عن الإمارات ولا مهاجمة السعودية. ما يهمني هو الثقب الأسود الذي ابتلع انتصارات كثيرة وحولها الى انتكاسات، تقاتل، تحرر، تمسك الأرض، ثم يأتي القرار السياسي من مكان آخر وبحسابات أخرى.
وهنا أصل إلى مربط الفرس لنا نحن الجنوب.
الجنوبي أثبت في عدن والمكلا وشبوة وباب المندب والساحل الغربي وغيرها أنه يستطيع القتال والانتصار ومسك أرضه. لكن هل كانت قضية الجنوب موجودة أصلًا في حسابات الرياض، أم أن الموجود في تلك الحسابات كان ولازال هو الحاجه للمقاتل الجنوبي فقط؟
الفرق كبير جدًا بين أن يحتاجوا بندقيتك اليوم، وبين أن يعترفوا بقضيتك غدًا.
وهذا ما يجب أن نتناقش حوله كجنوبيين جميعًا، إلى متى نقاتل وننتصر داخل استراتيجية لا نملك قرارها، ثم ننتظر من الآخرين أن يقرروا لنا ماذا بقي من انتصارنا وكيف نصنع خياراتنا ونحوّلها إلى مكاسب سياسية نتشارك جميعًا في صياغتها، لا أن تُملى علينا.
*سياسي واعلامي جنوبي
#السعودية