الحلفاء يتشاجرون، ويختلفون حيناً، وقد يتخاصمون بشدة أحياناً، لكنهم سرعان ما يراجعون ويتراجعون ويعودون إلى بعضهم ويعالجون خلافاتهم عندما يواجهون تهديدات خارجية مشتركة.
هذه القاعدة الذهبية في علاقة الحلفاء والشركاء تنطبق اليوم على العلاقة بين الشريكين الخليجيين: الإمارات والسعودية.
فخلال السنوات العشر الأخيرة، مرت العلاقة بين الدولتين الخليجيتين بخمس مراحل كبرى، تراوحت بين أعلى درجات التنسيق والتعاون وأقصى درجات سوء الفهم. لكن الثابت طوال هذه السنوات أن السعودية والإمارات ظلتا أكبر من خلافاتهما، وعالجتا ما يبعد بينهما بالحكمة عندما يتضح أن ما يجمعهما أكثر بكثير مما يفرقهما.
كانت المرحلة الأولى بين 2015 و2019، مرحلة متميزة ويمكن وصفها بمرحلة �أفضل سنوات العلاقة�. عندها بلغ التنسيق السياسي والأمني والعسكري بين أبوظبي والرياض مستوى غير مسبوق، حيث شاركتا جنباً إلى جنب في التحالف العربي لدعم الشرعية اليمنية ومواجهة الحوثيين والتمدد الإيراني.
كما تقاربت رؤيتاهما تجاه عبث جماعة الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي الذي انطلق من عقالها خلال الربيع العربي، عندها برزت شراكة سعودية إماراتية بدت في حينها وكأنها المحور الأكثر تأثيراً في السياسة العربية.
لكن الحلفاء لا يتطابقون في كل شيء. ومنذ 2019 بدأت المرحلة الثانية من العلاقات، التي امتدت تقريباً إلى 2022. برز خلالها ما يمكن وصفه بمرحلة "التوتر الجيوسياسي المصحوب بتنافس جيواقتصادي". ازدادت خلال هذه المرحلة حدة التوتر والتنافس. اختلفت أولويات الرياض وأبوظبي في اليمن، ودخلت السعودية على خط المنافسة مع الإمارات في قطاع السياحة، وجذب مقار الشركات والاستثمارات واستقطاب المواهب. أصبح التنافس الاقتصادي شعار المرحلة مع تسارع تنفيذ رؤية السعودية 2030.
كان التنافس طبيعياً بين أكبر اقتصادين في المنطقة. فكل دولة تطمح أن تكون مركزاً عالمياً للأعمال والاستثمار والسياحة والتكنولوجيا والريادة في العالم الرقمي. بدأت المشكلة في تلك المرحلة عندما كان الطموح لدى البعض صفريا وليس تكامليا، وانعكس التنافس الاقتصادي في صورة سوء فهم جيوسياسي حول لمن تكون الريادة كما الزعامة في المنطقة.
امتدت المرحلة الثالثة بين الأعوام 2022 و 2025، وهي مرحلة "التعافي" حيث استعادت خلالها العلاقة بعضاً من عافيتها. فجأة تدفقت الحيوية في قنوات التنسيق من جديد، واستمر التواصل بين القيادتين، وبقيت العلاقات الاقتصادية تنمو رغم التباينات السياسية. ففي دنيا السياسة طغى التجاذب والاختلاف في المواقف، لكن في عالم الاقتصاد كان التركيز على التوافق كأصل ثابت.
وتشير البيانات الرسمية للنصف الأول من 2025 وحده، إلى أن حجم التجارة غير النفطية بين البلدين تجاوز 25 مليار دولار، بزيادة 21.3% مقارنة بالفترة نفسها من 2024، فيما تجاوزت الاستثمارات الإماراتية المباشرة في السعودية 30 مليار دولار.
تدل هذه البيانات بما لا يدع مجالا للشك، أن العلاقة بين الإمارات والسعودية ليست مجرد لقاءات أخوية ومجاملات دبلوماسية، بل شبكة مصالح اقتصادية وتجارية ومالية وأمنية متداخلة يصعب فكها وتفكيكها أو الحد من نموها المتسارع.
كانت المرحلة الرابعة، خلال 2025 و2026، مرحلة "أقصى درجات سوء الفهم" السياسي بين الشقيقين تجاه ملفات إقليمية ساخنة، أبرزها اليمن والسودان والقرن الأفريقي، إلى جانب اختلافات في قضايا النفط وقرار الإمارات السيادي الانسحاب من منظمة أوبك كليا ونهائيا. لكن اليمن، وتحديداً الجنوب العربي، كان الملف الأكثر حساسية وخلافية. ففي ديسمبر 2025 برزت الخلافات في اليمن إلى العلن بصورة غير مسبوقة، وأصبحت مادة للاحتقان والخصومة في منصات التواصل الاجتماعي وخرجت من قيد �التنافس المحكوم بضوابط الجوار�.
رغم ذلك، من الخطأ اختزال العلاقة السعودية الإماراتية في التشاجر دون الالتفات إلى حيز واسع من التوافق. فالدولتان الخليجيتان تواجهان بيئة إقليمية متقلبة، ولديهما مصالح استراتيجية مشتركة في أمن الخليج العربي وحرية الملاحة في الممرات الدولية، ومواجهة التطرف والغلو بكل أشكاله والإرهاب بكل ألوانه، علاوة على مواجهة التهديد الإيراني ومنع تمدد النفوذ الإيراني.
بدأت المرحلة الخامسة الراهنة في 29 سبتمبر/أيلول 2026، مع وصول الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة إلى الرياض ولقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بحضور الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي.
جاء هذا اللقاء تتويجاً لعدة أشهر من الاتصالات المباشرة وغير المباشرة، المعلنة وغير المعلنة بين قيادتي البلدين؛ ففي مايو الماضي، بحث الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات والأمير محمد بن سلمان هاتفياً العلاقات الثنائية والتنسيق والتطورات الإقليمية.
وتكتسب زيارة الشيخ منصور بن زايد آل نهيان الأسبوع الماضي إلى الرياض أهمية خاصة لأنها أول زيارة أخوية إماراتية بهذا المستوى منذ تفاقم الخلاف بين البلدين. جاءت هذه الزيارة لتؤسس لصفحة واعدة في العلاقة بخطوات متأنية ومحسوبة ومتبادلة ووفق قاعدة لا تابع ولا متبوع. فالحلفاء لا يحتاجون إلى التطابق التام في المواقف، وإنما إلى إدارة اختلافاتهم وخلافاتهم بحكمة.
السعودية والإمارات ليستا دولتين عاديتين في النظام العربي. الأولى أكبر اقتصاد عربي وقوة سياسية ودينية مركزية، والثانية قوة إقليمية صاعدة ودولة نشطة، ذات نفوذ اقتصادي ودبلوماسي عالمي يتجاوز حجمها الديمغرافي والجغرافي. إن توافقهما يضيف الكثير إلى لحظة الخليج العربي التي أصبحت لحظة عالمية بعد أن كانت لحظة عربية، والتنسيق بينهما رصيد للبيت الخليجي، في حين أن تشاجرهما يربك النظام العربي ويقلق النظام العالمي.
بعد عشر سنوات من الصعود والهبوط، والتقارب والتباعد، والتفاهم وسوء الفهم، يبقى الدرس الأهم واضحا: الحلفاء قد يتشاجرون، لكنهم سرعان ما يتصالحون. فهما "حليفا الضرورة" لا يستغنى أحدهما عن الآخر رغم الاختلافات التي تبرز على السطح بين الحين والآخر.
في العرف الدبلوماسي، لا تُقاس قوة الموقف بحدة المفردات، ولا تُقاس هيبة الدولة بقدرة ممثليها على إطلاق العبارات الجارحة في مواجهة الخصوم..
فالدبلوماسية في جوهرها فن إدارة الخصومة لا فن إشعالها، ومهمتها إبقاء أبواب الحوار مفتوحة، حتى عندما تبلغ الخلافات ذروة الاحتقان.
ومنبر الأمم المتحدة أرفع من أن يكون مسرحًا للخطاب الجاهلي، وأكبر من أن يُختزل في معركة دعائية، ومن يقف عليه يحمل قبل أي صفة سياسية، مسؤولية الكلمة التي تمثل وطنًا بأكمله.
فالكلمة الدبلوماسية ليست مجرد وسيلة للتعبير، وإنما أداة سياسية تُقاس آثارها بميزان دقيق، والدبلوماسي المحترف يدرك أن العبارة المنتقاة بعناية تستطيع أن تحمل موقفًا بالغ الصرامة دون أن تهدم جسور التواصل، بينما قد تبدد عبارة انفعالية ما عجزت سنوات من التفاوض عن بنائه.
الدبلوماسي الحصيف لا يخاطب خصمه بمنطق الانفعال، وإنما بمنطق المصالح، فهو يعرف أن الخصومة السياسية ليست خصومة شخصية، وأن اختلاف المواقف لا يبرر السقوط في الإساءة أو التجريح أو الفجور في الخصومة. وحتى عندما تكون الرسالة شديدة اللهجة، ينبغي أن تظل محكومة بالاتزان، وأن تترك منفذًا للعودة إلى طاولة التفاوض.
والأهم أن اللغة الدبلوماسية ليست ضعفًا، ولا تعني التراجع عن الحقوق أو التنازل عن المواقف. على العكس، قد تكون العبارة الهادئة أشد وقعًا من الشتيمة، والحجة الموثقة أكثر نفاذًا من الصراخ. فحين يقول الدبلوماسي (نرفض هذا الموقف رفضًا قاطعًا، ونحمّل الطرف المعني كامل المسؤولية عن تبعاته)، فإنه يبعث برسالة حازمة دون أن يحول المنبر الدولي إلى ساحة للمناكفة.
أما الأوصاف المهينة والعبارات السوقية، فإنها لا تنتقص من الخصم بل تنتقص من صورة المتحدث نفسه، وتمنح الطرف الآخر فرصة للظهور بمظهر أكثر اتزانًا أمام المجتمع الدولي.
الدبلوماسية الحقيقية تعرف متى تكون لينة، ومتى تكون حازمة، ومتى ترفع سقف التحذير، لكنها لا تفقد بوصلتها الأخلاقية والمهنية، فهي تستطيع أن تقول (لا) بصرامة، وأن ترفض وتحتج وتحذر وتدين وتطالب بالمحاسبة، دون أن تنحدر إلى قاموس الشتائم أو لغة التحريض.
ومن المفارقات المؤلمة في المشهد السوداني أن يتحول منبر يفترض أن يكون عنوانًا للعقل الدبلوماسي، واحترام القانون الدولي، والبحث عن مخارج تحفظ حياة الشعوب، إلى منصة تستدعي مفردات الاستقطاب والتعبئة والانقسام.
وهنا يبرز السؤال المشروع، كيف يمكن لمن يقف أمام الأمم المتحدة، المؤسسة التي أُنشئت لتجنيب العالم ويلات الحروب، أن ينزلق خطابه إلى لغة تستحضر قاموس الجاهلية السياسية والاجتماعية والجهل المعرفي؟
إن قيمة الدبلوماسي لا تُقاس بارتفاع نبرة صوته، ولا بقدرته على تجييش العواطف، وإنما بقدرته على تمثيل بلاده بلغة تحفظ كرامتها، وتفتح أمامها أبواب الحوار، وتُبقي جسور الحل السياسي قائمة حتى في أكثر اللحظات احتقانًا.
والخطاب الذي يقسم السودانيين إلى معسكرات متخاصمة، أو يستدعي العصبيات الإثنية والجهوية، لا يخدم الدولة التي يتحدث باسمها، بل يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى أزمة أنهكت المجتمع والدولة معًا، فالسودان ليس قبيلة واحدة، ولا جهة واحدة، ولا مشروعًا أيديولوجيًا واحدًا، وإنما هو فسيفساء اجتماعية وثقافية وتاريخية لا يمكن اختزالها في خطاب الإقصاء والاستعلاء.
أما الأمم المتحدة، فليست ساحة لتبادل الشتائم السياسية أو إعادة إنتاج خطاب الحرب، وإنما فضاء يفترض أن تُطرح فيه القضايا بلغة المسؤولية والحجة والوثيقة، وأن يكون الهدف النهائي هو حماية المدنيين، وإنهاء النزاعات، وتهيئة الطريق أمام السلام.
ومن هنا، فإن الانتقال من خطاب الدولة إلى خطاب التعبئة، ومن الدبلوماسية إلى المناكفة، ومن الحجة إلى التخوين ليس مجرد تغير في المفردات؛ بل هو انحراف عن الوظيفة الأساسية للخطاب الرسمي، وإضعاف لصورة الدولة التي يفترض أن يمثلها الدبلوماسي.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الحرائق اللفظية، بل يحتاج إلى خطاب يطفئها، ولا يحتاج إلى دبلوماسية شاذة الأفق تعيد إنتاج الخصومة، بل إلى دبلوماسية تملك شجاعة الاعتراف بالأزمة، والقدرة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة مسؤولة، والبحث عن تسوية تحفظ وحدة البلاد وكرامة شعبها.
إن أخطر ما أصاب دبلوماسية سلطة بورتسودان أنها لم تكتفِ بالعجز عن مخاطبة العالم بلغة القرن الحادي والعشرين، بل آثرت أن تنبش من ركام التاريخ مفردات العصبية والاستقطاب، وكأنها تستحضر من غبار الجاهلية ما عجزت عن العثور عليه في قاموس الدولة الحديثة.
فالعداء، مهما اشتد، عارضٌ سياسي عابر، أما الدبلوماسية فهي حرفة صناعة المستقبل، وفن تحويل الخصومة إلى مسار، والأزمة إلى مخرج، والمصلحة إلى جسور، لكن يبدو أن الحارث إدريس، وقد أمعن في سبر أغوار الأزمنة الغابرة، لم يجد في ذلك السفر الطويل سوى (شسع نعل كليب)، فعاد به متشدقًا، منتفخًا، وكأن التاريخ سلّمه مفاتيح الحاضر، بينما الحقيقة أن من يستعير أدوات الجاهلية لمخاطبة عالم حديث، لا يمارس الدبلوماسية، بل يعرض عجزه عن فهم العصر في مشهدٍ أقرب إلى الكاريكاتير السياسي.