آخر تحديث :الخميس - 08 أكتوبر 2026 - 10:24 م

اخبار وتقارير


تحليل عسكري: الزج بالقوات الجنوبية في حرب الشمال.. استنزاف أم فخ سياسي؟

الخميس - 08 أكتوبر 2026 - 09:50 م بتوقيت عدن

تحليل عسكري: الزج بالقوات الجنوبية في حرب الشمال.. استنزاف أم فخ سياسي؟

عدن تايم /العقيد - محسن ناجي مسعد.

تكشف التطورات العسكرية والميدانية المتلاحقة في عدد من المحافظات الشمالية عن حقيقة بات من الصعب تجاهلها، فالقوات العسكرية التابعة للشرعية عجزت طوال سنوات الحرب عن استعادة زمام المبادرة، وتركت مساحات واسعة من الجغرافيا الشمالية تسقط تباعًا تحت سيطرة مليشيات الحوثي، حتى باتت الأخيرة تفرض حضورها على معظم المناطق التي كانت تُعرف سابقًا بجغرافيا الجمهورية العربية اليمنية.


ولم تكن سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي وصولا إلى باب المندب وتطويق مدينة تعز نتيجة تفوق عسكري حاسم بقدر ما كانت، في جانب كبير منها، نتيجة انهيار منظومة المواجهة وتراجع القوات المفترض بها خوض المعركة والدفاع عن تلك الجبهات وهنا تكمن المفارقة الكبرى. قوات تُقدَّر بمئات الآلاف، لكنها لم تتمكن من تحويل تفوقها العددي إلى قوة عسكرية قادرة على تغيير موازين القوى لصالحها ولصالح فرض سيطرتها على المناطق التي سقطت بيد مليشيات الحوثي.

وفي ظل هذا الواقع، وجدت الشرعية ودول التحالف العربي نفسيهما أمام معادلة صعبة أما القبول بنتائج المعارك الأخيرة التي لا زالت تتفاعل في المناطق الشمالية والتغاضي عن التمدد الحوثي باتجاه الجنوب أو دفع القوات الجنوبية إلى واجهة المعارك في المحافظات الشمالية وكان خيار الدفع بالقوات الجنوبية إلى ساحة المعركة هو الخيار التي أستقر عليه الحال من جانب دول التحالف العربي والشرعية، حتى تقوم تلك القوات الجنوبية عمليًا بأدوار كان يفترض أن تضطلع بها القوات التابعة للشرعية في تلك المناطق التي ما كان لها أن تسقط بيد الحوثيين بمثل تلك السهولة لولا تخاذل القوات الحكومية التي أنهارة ولم تستطيع الصمود في وجه المد العسكري الحوثي الذي أستطاع أن يسيطر على أرض تبلغ مساحتها نحو ٥٥٠٠ كيلو متر مربع.


ومن هنا تبدأ المعضلة الجنوبية.


فالمشاركة الجنوبية في القتال شمالًا لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن الهدف السياسي الذي نشأت من أجله هذه القوات، ولا عن القضية الجنوبية التي ما زالت تبحث عن حل سياسي عادل. فالقوات الجنوبية التي راكمت خبرة قتالية وتضحيات كبيرة منذ عام 2015 أصبحت تمثل، إلى جانب وظيفتها العسكرية، أحد أهم عناصر القوة التي يمكن أن يستند إليها الجنوب في أي تسوية سياسية مقبلة.


ولهذا فإن استنزاف هذه القوات في حرب مفتوحة، لا تملك الأطراف الشمالية المتصارعة القدرة على حسمها عسكريًا منذ ما يقارب اثني عشر عامًا، يثير سؤالًا مشروعًا: هل يجري توظيف القوات الجنوبية في معركة هدفها الحقيقي إنقاذ جبهات الشمال، أم أن هناك حسابات أخرى تتجاوز ضرورات الميدان ؟.

فالحرب التي عجزت الأطراف الشمالية عن حسمها طوال هذه السنوات لا يبدو من المنطقي أن تتحول فجأة إلى مسؤولية القوات الجنوبية وحدها. والأخطر من ذلك أن تتحول التضحيات الجنوبية إلى وسيلة لإبقاء الصراع مفتوحًا، بينما تظل القضية الجنوبية نفسها خارج معادلة القرار السياسي.


إن استخدام عبارة �القوات الجنوبية� بوصفها عنوانًا للمشاركة العسكرية قد يمنح البعض شعورًا بالاعتراف بالدور الجنوبي، لكنه لا ينبغي أن يحجب جوهر المسألة: المشاركة العسكرية شيء، وتحقيق المكاسب السياسية شيء آخر.


فالجنوب لا يحتاج إلى مزيد من المعارك بقدر حاجته إلى الحفاظ على قوته العسكرية والسياسية، وعدم تحويلها إلى قوة استنزاف في صراع لم تُحسم أهدافه ولا نهاياته.

ومن منظور استراتيجي، فإن إدخال القوات الجنوبية في حرب استنزاف طويلة ومفتوحة قد يكون خطأً بالغ الكلفة؛ لأن خسارة الرجال والسلاح والقدرات العسكرية لا تعوَّض بسهولة، خصوصًا أن هذه القوات قد تصبح في أي تسوية سياسية قادمة إحدى أهم أوراق القوة التي يمتلكها الجنوب للدفاع عن مطالبه المشروعة.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: هل تستطيع القوات الجنوبية القتال في الشمال؟ فقد أثبتت قدرتها القتالية في أكثر من معركة.


السؤال الأهم هو: هل تخدم هذه الحرب القضية الجنوبية، أم تستنزف القوة الجنوبية في معركة لا تملك قرار نهايتها؟

فالجنوب ليس بحاجة إلى إثبات قدرته على القتال بقدر حاجته إلى تحديد أين ولماذا يقاتل، وما الذي سيحصل عليه سياسيًا بعد انتهاء القتال.

وإذا كانت الحرب في المحافظات الشمالية حربًا مفتوحة بلا أفق سياسي واضح، فإن الزج بالقوات الجنوبية فيها دون ضمانات سياسية واستراتيجية واضحة قد يحول الانتصار التكتيكي إلى خسارة استراتيجية، وقد يجعل من القوة التي يفترض أن تكون ورقة ضغط لحماية مستقبل الجنوب مجرد قوة مستنزفة في حرب الآخرين.


إن أخطر ما يمكن أن يحدث للجنوب ليس أن يخسر معركة، وإنما أن ينتصر في معارك الآخرين ويخسر في النهاية معركته هو.