برنامج «السؤال الصعب» – 2 نوفمبر 2026
اطلعت على الحلقة المنشورة على قناة سكاي نيوز عربية، ومدتها نحو 28 دقيقة، وعلى محاورها الأساسية وما نُشر من مقتطفات وتصريحات بشأنها.
أول ما ينبغي قوله إن هذه المقابلة ليست مجرد حديث عن تعثر الحرب ضد الحوثيين، بل هي محاولة لطرح رواية سياسية متكاملة بشأن ثلاثة ملفات مترابطة:
* مسؤولية قيادة التحالف العربي عن إطالة أمد الحرب.
* مستقبل العلاقة بين الجنوب والشمال، وموقف المجلس الانتقالي من الوحدة.
* طبيعة العلاقة مع السعودية والإمارات والولايات المتحدة، وحدود الرهان على التحالفات الخارجية.
والأهم أن بن بريك لم يحصر حديثه في نقد الماضي، بل حاول الانتقال منه إلى تحديد ما يراه مستقبلاً سياسياً وعسكرياً للجنوب.
أولاً: تشخيص أسباب قوة الحوثيين وتأخر الحسم العسكري
في الدقائق الأولى، يطرح بن بريك تفسيراً أساسياً لما وصلت إليه جماعة الحوثيين، ومفاده أنها لم تكن بالقوة التي تظهر بها اليوم، وأن القوات المناهضة لها كانت قريبة من إنهاء المعركة، لكن سوء إدارة الملف من جانب قيادة التحالف، والتأخر المتعمد أو المدروس في الحسم، أتاحا للحوثيين استثمار الوقت وتلقي الإمدادات وتطوير قدراتهم العسكرية.
القراءة السياسية:
هذه واحدة من أهم النقاط في المقابلة؛ لأنها تنقل النقاش من سؤال: لماذا أصبح الحوثي قوياً؟ إلى سؤال أكثر أهمية: من الذي أتاح له الوصول إلى هذه القوة؟
لكن هناك فارق بين إثبات أن إطالة الحرب أسهمت في تعزيز قدرات الحوثيين، وبين الجزم بأن التأخير كان عملية مدروسة ومقصودة. الادعاء الثاني يحتاج إلى أدلة ووقائع وقرائن تتجاوز التفسير السياسي.
كما أن هذا التشخيص يحتاج إلى استكمال: ماذا عن الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين؟ وماذا عن الفساد العسكري، وتعدد مراكز القرار، وغياب القيادة الموحدة؟ وهل كان الحسم العسكري ممكناً بالفعل بالسهولة التي يوحي بها الحديث؟
هذه أسئلة لا تقل أهمية عن مسؤولية قيادة التحالف.
ثانياً: الاعتراف بالخطأ في الرهان على السعودية
في الدقيقة 6:30 تقريباً، ينتقل الحديث إلى العلاقة مع السعودية، ويشير بن بريك إلى أن الجنوبيين أخطأوا في الإفراط بحسن الظن بها.
هذه نقطة سياسية بالغة الأهمية؛ لأنها تعكس مراجعة لتجربة التحالف، وتكشف أن الثقة التي قامت عليها العلاقة لم تعد كما كانت.
والأهم أن بن بريك يتحدث عن قصف القوات الجنوبية التي كانت تقاتل ضمن المعسكر المناهض للحوثيين، ويضع ذلك في سياق الخلاف الذي فجّر العلاقة بين حلفاء الأمس.
ما الذي يعنيه هذا سياسياً؟
يعني أن العلاقة بين الجنوب والسعودية، وفق الرواية التي يقدمها، لم تعد قابلة للقراءة من زاوية التحالف العسكري وحده، بل أصبحت مرتبطة بمسألة المصالح السياسية، وتباين الرؤى بشأن مستقبل الجنوب.
لكن ينبغي التمييز بين رواية بن بريك بشأن دوافع الموقف السعودي، وبين الوقائع الميدانية التي يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.
والسؤال الذي يستحق التوقف عنده: هل المطلوب من الجنوب إعادة بناء علاقته بالسعودية على أسس جديدة، أم البحث عن صيغة سياسية مستقلة لا تجعل مستقبله مرهوناً بموقف أي دولة؟
ثالثاً: الحوثيون ليسوا مجرد امتداد لإيران
في الدقيقة العاشرة تقريباً، يوسّع بن بريك دائرة الخطر الحوثي، ولا يحصره في التبعية الإيرانية، بل يتحدث عن طبيعة المشروع والعقيدة التي تحملها الجماعة.
وهنا يحاول نقل القضية من إطار الصراع الإقليمي بين إيران ودول الخليج إلى إطار أوسع يتعلق بطبيعة السلطة التي يسعى الحوثيون إلى فرضها.
هذه نقطة تستحق النقاش؛ لأن اختزال الحوثيين في كونهم أداة إيرانية فقط قد يحجب عوامل أخرى، منها البنية العقائدية والتنظيمية، وشبكات النفوذ المحلية، وطبيعة السيطرة على مؤسسات الدولة.
بمعنى آخر، حتى لو تغيرت طبيعة العلاقة بين طهران وصنعاء، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء أسباب الصراع اليمني.
رابعاً: الهوية الدينية للجنوب
في الدقيقتين 13:26 و15:23، يتناول بن بريك ما يراه تهديداً لهوية الجنوب الدينية، ويرفض تغييرها بالقوة، ويصل إلى القول باستحالة التعايش مع الحوثيين في ظل عقيدتهم الحالية.
هذه من أكثر النقاط حساسية في المقابلة.
فالجنوب، بتنوعه الاجتماعي والمذهبي والثقافي، لا يمكن التعامل معه باعتباره كتلة واحدة متطابقة في كل شيء. ومن حق المجتمع الجنوبي أن يحافظ على هويته الدينية والثقافية، وأن يرفض فرض أي معتقد أو نموذج سياسي بالقوة.
لكن من المهم أيضاً ألا يتحول الخلاف السياسي والعقائدي إلى حكم مطلق على إمكانية التعايش بين المجتمعات.
التمييز الضروري هنا هو بين رفض مشروع الهيمنة والإكراه من جهة، ورفض التعايش الاجتماعي والسياسي من جهة أخرى.
يمكن رفض سلطة الحوثيين ومشروعهم، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام أي تسوية تضمن الحقوق والحريات والمواطنة المتساوية، وتنهي احتكار السلطة والسلاح.
خامساً: الحديث عن العلاقة بين الحوثيين والقاعدة
في الدقيقة 18:46، يتطرق بن بريك إلى ما يصفه بالتخادم بين الحوثيين وتنظيم القاعدة ضد الجنوب.
توجد ضرورة للفصل بين:
* التقاطع الميداني المؤقت بين أطراف متصارعة.
* الاستفادة المتبادلة من الفوضى الأمنية.
* وجود تنسيق أو اتفاق فعلي بين تنظيمين متعارضين.
كل مستوى من هذه المستويات يحتاج إلى أدلة مختلفة.
والحديث المسؤول في هذا الملف يستوجب تقديم وقائع محددة، وأسماء وأحداث وتواريخ، بدلاً من الاكتفاء بالتوصيف السياسي.
سادساً: الرسالة الموجهة إلى الولايات المتحدة
في الدقيقتين 20:33 و22:48، ينتقد بن بريك ما يراه مهادنة أميركية للحوثيين، ويرفض أن يكون الجنوب، أو القوات الجنوبية، مجرد أداة لتنفيذ أجندة أميركية في المنطقة.
هذه الرسالة تحمل مضموناً سياسياً مهماً: الجنوب يريد أن يُنظر إليه بوصفه طرفاً صاحب قضية ومصالح، وليس مجرد قوة محلية يمكن استدعاؤها عند الحاجة ثم تجاوز مطالبه السياسية.
لكن هذا الموقف يفتح سؤالاً عملياً: كيف يمكن للجنوب أن يبني علاقات دولية متوازنة، ويستفيد من الدعم الخارجي، دون أن يتحول إلى تابع لأي محور إقليمي أو دولي؟
الإجابة لا تكون بالشعارات، وإنما بوجود رؤية سياسية واضحة، ومؤسسات قادرة على التفاوض، وموقف موحد بشأن المصالح الوطنية.
سابعاً: لماذا ينتظر الجنوب تحرير الشمال؟
المحور السياسي الأبرز في المقابلة
في الدقيقة 24:31 تقريباً، يصل بن بريك إلى جوهر مشروعه السياسي: لماذا يربط الجنوب مصيره بتحرير الشمال؟
هذا السؤال يعيد فتح القضية الجنوبية من بوابتها الأساسية.
فهو يرفض منطق تعليق مستقبل الجنوب على معركة تحرير صنعاء، ويرى أن للجنوب قضية سياسية مستقلة، وأن من حقه تحديد مستقبله بعيداً عن مصير القوى المتصارعة في الشمال.
وهنا تكمن أهم رسالة في المقابلة:
ليس من الضروري أن يبقى مستقبل الجنوب رهينة لحسم الصراع في الشمال.
هذه الفكرة تستحق نقاشاً سياسياً جاداً، بعيداً عن المزايدات، مع ضرورة تحديد الكيفية التي يمكن بها تحويل مطلب الاستقلال إلى مسار سياسي وقانوني يحظى بالتوافق والقبول، ويضمن حقوق جميع أبناء الجنوب.
فطرح الاستقلال شيء، وتقديم خارطة طريق قابلة للتنفيذ شيء آخر.
ثامناً: الهوية الجنوبية ليست الاشتراكية
في الدقائق الأخيرة، وتحديداً عند الدقيقة 26:48، يدافع بن بريك عن هوية الجنوب، ويرفض اختزالها في التجربة الاشتراكية السابقة.
وهذه نقطة تستحق الاهتمام؛ لأن الهوية الجنوبية أوسع من أي تجربة سياسية أو أيديولوجية مرت بها البلاد.
فالجنوب ليس ملكاً لتيار سياسي بعينه، ولا ينبغي أن تكون استعادة الدولة مشروعاً لإعادة إنتاج نظام سياسي سابق بكل ما له وما عليه.
الهوية الوطنية تتسع لمختلف الاتجاهات السياسية والفكرية، بشرط أن يجمعها الإيمان بحق الجنوب في تقرير مستقبله، واحترام التعددية والتداول السلمي للسلطة.
تاسعاً: ما الذي غاب عن المقابلة؟
إذا أردنا قراءة الحديث بميزان سياسي واقعي، فهناك ملفات كان من المهم أن تحظى بمساحة أكبر:
* المسؤولية الجنوبية: ما الذي راجعه المجلس الانتقالي في تجربته السياسية والعسكرية؟ وما الأخطاء التي يتحمل مسؤوليتها؟
* وحدة القرار الجنوبي: كيف يمكن جمع مختلف القوى والمكونات الجنوبية حول مشروع سياسي واحد؟
* حضرموت والمهرة وشبوة: كيف يمكن ضمان أن يكون مشروع المستقبل معبّراً عن إرادة جميع المحافظات الجنوبية، لا عن رؤية قيادة سياسية واحدة؟
* الاقتصاد والخدمات: ما تصور الدولة الجنوبية المنشودة بشأن الرواتب والكهرباء والمياه والأمن والاستثمار؟
* الاعتراف الدولي: ما المسار القانوني والدبلوماسي الذي سيُتبع لتحقيق تطلعات الجنوبيين؟
* العلاقة مع الجوار: كيف ستُبنى علاقات متوازنة مع السعودية والإمارات وسلطنة عمان، بعيداً عن التبعية والصدام؟
هذه ليست اعتراضات على حق الجنوب في طرح قضيته، بل أسئلة ضرورية للانتقال من الخطاب السياسي إلى مشروع دولة.
عاشراً: الخلاصة السياسية للمقابلة
يمكن تلخيص الرسائل التي أراد بن بريك إيصالها في خمس نقاط:
* الحوثي استفاد من إطالة الحرب وسوء إدارة المواجهة.
* الثقة المطلقة بالحليف الإقليمي لم تكن خياراً سياسياً مأموناً.
* الجنوب لا يريد أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
* القضية الجنوبية لا ينبغي أن تبقى مرتبطة بمصير الصراع في الشمال.
* استقلال الجنوب هو الحل السياسي الذي يدافع عنه بن بريك.
لكن ثمة فارقاً بين وضوح الرسالة السياسية واكتمال المشروع السياسي. فالمشروع لا يُقاس فقط بما يرفضه، وإنما بما يقدمه من بدائل وضمانات ومؤسسات وآليات تنفيذ.
قراءتي النهائية: ثلاث رسائل تستحق التوقف عندها
الرسالة الأولى: مراجعة العلاقة مع التحالف.
حديث بن بريك يعكس مراجعة سياسية لتجربة التحالف، ويطرح تساؤلات عن طبيعة المصالح التي حكمت العلاقة بين الأطراف. وهذه المراجعة تستوجب الانتقال من الثقة السياسية إلى العلاقات القائمة على المصالح المتبادلة والالتزامات الواضحة.
الرسالة الثانية: استقلال القرار الجنوبي.
هذه هي النقطة الأكثر ارتباطاً بمستقبل الجنوب. فمن غير المنطقي أن يظل مصير شعب مرتبطاً إلى أجل غير معلوم بنتائج صراع في منطقة أخرى. لكن استقلال القرار لا يكتمل إلا بوجود توافق جنوبي واسع ومؤسسات تمثيلية وخارطة طريق سياسية واضحة.
الرسالة الثالثة: الانتقال من خطاب المواجهة إلى خطاب الدولة.
الجنوب لا يحتاج فقط إلى خطاب يشرح مظلوميته أو ينتقد خصومه، بل يحتاج إلى تصور متكامل للدولة التي يريد بناءها، وعلاقاتها الإقليمية، ونظامها السياسي، واقتصادها، وضمانات مواطنيها.
وهنا أرى أن النقاش يجب أن يتجاوز الأشخاص والمواقف الآنية إلى مستقبل المشروع السياسي برمته.
كلمة أخيرة
المقابلة تستحق النقاش لأنها أعادت طرح أسئلة مؤجلة بشأن الحرب والتحالف ومستقبل الجنوب، ووضعت العلاقة مع السعودية أمام مراجعة سياسية علنية.