آخر تحديث :الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - 01:48 ص

اخبار وتقارير


فرانس 24 والبي بي سي العربية: هل انتقل مركز الثقل في الإعلام الدولي الموجّه إلى العرب؟

الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - 01:04 ص بتوقيت عدن

فرانس 24 والبي بي سي العربية: هل انتقل مركز الثقل في الإعلام الدولي الموجّه إلى العرب؟

مسعود عمشوش

لم تعد المنافسة بين القنوات الإخبارية الدولية الناطقة بالعربية مجرد سباق على نقل الأخبار وتغطية الأحداث، بل أصبحت منافسة على التأثير في الرأي العام العربي، وتوجيه النقاشات السياسية والثقافية، وتشكيل صورة العالم لدى المشاهد العربي. وفي قلب هذه المنافسة تبرز تجربتان إعلاميتان بارزتان: هيئة الإذاعة البريطانية العربية البي بي سي، التي تمتلك إرثاً صحفياً عريقاً وحضوراً تاريخياً في المنطقة، وقناة فرانس 24 العربية، التي استطاعت خلال السنوات الماضية أن تفرض نفسها منافساً جدياً، وأن تنتزع حصة متزايدة من اهتمام الجمهور العربي.

لقد ظلت البي بي سي لعقود طويلة، واحدة من أهم النوافذ العربية الإعلامية الدولية التي يعتمد عليها المشاهد العربي لمتابعة الأخبار والتحليلات السياسية. واستمدت مكانتها من تاريخ طويل في العمل الإذاعي والتلفزيوني، ومن سمعة مهنية ارتبطت بالدقة والرصانة والقدرة على الوصول إلى مصادر المعلومات، فضلاً عن حضورها في تغطية الأحداث الكبرى والتحولات السياسية في العالم العربي.

غير أن هذه المكانة التاريخية لم تعد تمنحها التفوق المطلق الذي تمتعت به في مراحل سابقة. فقد تغير المشهد الإعلامي العربي، وتعددت مصادر الأخبار، وتراجعت قدرة المؤسسات التقليدية على احتكار اهتمام الجمهور، كما ظهرت منافسة دولية أكثر حيوية، من بينها فرانس 24 التي دخلت المجال العربي بخطاب إعلامي يسعى إلى الجمع بين التغطية الإخبارية والتحليل السياسي والحوار المباشر.

ومن الواضح أن القناة الفرنسية استطاعت أن تستثمر بعض مواطن القوة في تجربتها، خصوصاً في سرعة التفاعل مع الأحداث، وتنوع ضيوف برامجها، وإتاحة مساحة للنقاش بين اتجاهات سياسية وفكرية متباينة. كما نجحت في بناء حضور لافت في بلدان المغرب العربي، مستفيدة من خصوصية العلاقة التاريخية والثقافية واللغوية بين فرنسا وتلك المنطقة، ومن استثماراتها المتزايدة في المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي.

وفي المقابل، ما تزال البي بي سي العربية تتمتع بمزايا مؤسسية ومهنية مهمة، أبرزها خبرتها الطويلة في الصحافة الدولية، وشبكة مراسليها، وقدرتها على إنتاج التقارير والتحقيقات المعمقة. لكن التحدي الذي تواجهه يتمثل في المحافظة على ثقة الجمهور، وتطوير أدواتها التحريرية والرقمية، ومواكبة التحولات المتسارعة في أنماط استهلاك الأخبار.

وعلى مستوى الخطاب التحريري، لا يمكن النظر إلى القناتين باعتبارهما مجرد مؤسستين إعلاميتين منفصلتين عن السياقين السياسي والثقافي اللذين تنتميان إليهما. فالبي بي سي العربية جزء من مؤسسة إعلامية بريطانية عامة، بينما تنتمي فرانس 24 إلى المنظومة الإعلامية العامة الفرنسية. وهذا لا يعني بالضرورة أن كل مادة تبثها أي منهما تعكس موقفاً حكومياً مباشراً، لكنه يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقة بين الإعلام الدولي والمصالح الاستراتيجية للدول التي تنشئ مؤسساته وتمولها.

وتظهر أهمية هذه المسألة عند تناول القضايا العربية الحساسة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والحروب والصراعات الإقليمية، والتحولات السياسية في المنطقة. فالمشاهد العربي لا يكتفي اليوم بمتابعة الخبر، بل أصبح أكثر اهتماماً بفحص طريقة صياغته، وانتقاء مصادره، وتحديد المساحات التي يمنحها لكل طرف، ومدى التزام المؤسسة الإعلامية بالمعايير المهنية التي تعلنها.

ولعل الفارق الأهم بين القناتين لا يكمن في جنسية المؤسسة أو لغتها، وإنما في قدرتها على كسب ثقة الجمهور، وتقديم تغطية تتجاوز الحسابات السياسية، وتحترم ذكاء المشاهد وحقه في معرفة الوقائع من زوايا متعددة.

ومن هنا، فإن القول إن فرانس 24 سحبت البساط من BBC العربية يحتاج إلى شيء من التدقيق. فقد حققت القناة الفرنسية تقدماً واضحاً في بعض الأسواق العربية، ولا سيما في المغرب العربي، وأصبحت منافساً حقيقياً على المنصات الرقمية وفي مجال الحوار السياسي. لكن ذلك لا يعني أنها أزاحت BBC عن مكانتها التاريخية أو تفوقت عليها في جميع مجالات العمل الصحفي.

إن ما نشهده في الواقع هو انتقال تدريجي من مرحلة الهيمنة النسبية لمؤسسة إعلامية دولية واحدة إلى مرحلة التعدد والتنافس، حيث لم يعد الجمهور العربي أسير شاشة واحدة أو مصدر واحد للمعلومات.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم ليس: من انتصر، البي بي سي أم فرانس 24؟ بل: أي القناتين تستطيع أن تكون أكثر مهنية واستقلالية، وأكثر قدرة على فهم تحولات المجتمعات العربية، والتعبير عن أسئلتها الحقيقية، بعيداً عن الصور النمطية والحسابات السياسية للدول التي تقف وراء مؤسسات الإعلام الدولي؟