آخر تحديث :الإثنين - 26 فبراير 2024 - 12:33 ص

كتابات واقلام


" وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى"

الجمعة - 08 ديسمبر 2023 - الساعة 10:55 م

د. سارة مبارك
بقلم: د. سارة مبارك - ارشيف الكاتب


لماذا نبكي؟ كيف نبكي؟ هل هناك فوائد للبكاء؟ ماهي فسيولوجية و سيكولوجية البكاء ؟..

البكاء خبرة سيكولوجية يمر بها كل إنسان فى مختلف مراحل حياته، وهو ظاهرة نفسية عامة ومشتركة لدى جميع البشر على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وألسنتهم ومذاهبهم وبيئاتهم، فالبكاء لغة عالمية لا تختلف باختلاف الألسن أو الثقافات أو البيئات، فالجميع يبكون بنفس الطريقة ولنفس الأسباب غالبا.
الأطفال أكثر المخلوقات بكاء، وللبكاء لدى الطفل وظائف ومسببات عديدة ، فالطفل يستخدم البكاء كوسيلة للتعبير عن احتياجاته أو خوفه أو مرضه، يقال أن أول مراحل الكلام عند الاطفال هو البكاء .. البكاء هو السلوك الوحيد الذي لا يحتاج إلى تعلم أو مهارة مسبقة ..
نبكي فتنهمر دموعنا ، لكن هل تعلم أن هناك 3 أنواع من الدموع :
الأول هو الدموع القاعدية التي تفرز بشكل متواصل من الغدة الدمعية وهي مخصصة لترطيب العين...
الثاني :هي الدموع المنعكسة وتفرز فجأة بسبب التهيج استجابة لمؤثر خارجي مثل دخول جسم غريب في العين أو كأشهر مثال أثناء تقطيع البصل..
النوع الاخير هي الدموع العاطفية أو النفسية والناتجة عن الاستجابة لأحداث حزن او خوف أو فرح او غضب..
النوع الأول و الثاني يفرز على مستوى الجهاز العصبي الطرفي أما النوع الثالث فيفرز على مستوى المراكز العليا في الدماغ ..
يستجيب الدماغ لمشاعر الحزن .. الغضب .. الخوف بإرسال الإشارات العصبية إلى مجموعة من الاعصاب منها الاعصاب المغذية للغدة الدمعية و بعض عضلات الوجه إضافة إلى تحفيز الجهاز العصبي الودي و اللاودي .. و لكن هل هناك فوائد لهذه الدموع؟
بينت الأبحاث أن للدموع العاطفية فوائد صحية خاصة جدا، وبحسب التقارير العلمية اكتشف أن الدموع العاطفية تحتوي على 98% من المياه و على نسب عالية من البروتينات وهرمونات التوتر (Stress Hormones) مقارنة بالأنواع الأخرى من الدموع، من هذه الهرمونات:
- هرمون البرولاكتين ( Prolactin): من الهرمونات المضادة للتوتر
- الهرمون المنبه للقشرة الكظرية ( Adrenocorticotropic Hormone): وهو الهرمون المسؤول عن التخفيف من التوتر في الجسم.
- هرمون الأنكيفالين ( Enkephalin): والذي يعد نوع من المسكنات الطبيعية في الجسم، والمسبب للشعور بالراحة بعد البكاء.
لذا فإن للدموع العاطفية فوائد عديدة منها:
التخلص من التوتر: ذلك بسبب إفراز هرمونات التوتر، وبالتالي تخفف من الضغط النفسي. كما أن البكاء يعمل على تحفيز الجهاز العصبي اللاودي ( Parasympathetic nervous system)، والذي يساعد على الشعور بالراحة والاسترخاء، والحد من الشعور بالحزن.
تسكين الألم: وذلك نتيجة إفراز هرموني الإندورفين والأكسيتوسين (Oxytocin)، مما يؤدي إلى الحد من الألم النفسي والجسدي.
التخلص من السموم: حيث أن الدموع العاطفية تعمل على التخلص من المواد الكيميائية التي تعمل على رفع مستوى هرمون الكورتيزول ( Cortisol)، وبالتالي التقليل من التوتر.
تحسين الحالة المزاجية: وذلك بسبب هرموني الأكسيتوسين والإندورفين، اللذان يعملان على تسكين الألم وتحسين الحالة المزاجية. كما أن التنفس السريع أثناء البكاء يعمل على تحسين الحالة المزاجية.
استعادة التوازن العاطفي: يعد البكاء طريقة لموازنة المشاعر القوية، مثل الخوف الشديد، أو السعادة البالغة.

للدموع أيضا وظيفة نفسية، فالخبراء النفسيون ينصحونك بالبكاء، وأن تترك العنان لدموعك تنهمر على خديك، عند تعرضك لمواقف نفسية صعبة أو توتر عصبى شديد، فالدموع تجلب الراحة النفسية لأنها تساعد على إزالة التوتر النفسى والتخفيف من الضغط العصبى على الإنسان.

يرتبط البكاء غالبا بالضعف، فهما متلازمان سواء كان الضعف مرضاً أو وفاة عزيز أو أزمة أو غير ذلك، لأن البكاء فى أصله استغاثة، فالصغير عندما يبكى ويرتفع صوته ويجهش فإنه يستغيث، وينجح فى أن يحرك فى الأم كل عواطف الأمومة فتهرع لحمايته، ويقول علماء النفس أن صرخة الطفل تفتح قلب الأم.
نحن نبكى حتى نحصل على الحماية والرعاية والعطف، وقد دلت الدراسات النفسية على أن الطفل فى سن الثالثة يبكى فى حضور أمه أكثر مما يبكى إذا كان بمفرده، بل أن كثيرا من الأطفال يكونون هادئين فإذا ظهرت الأم بدأوا يبكون، وهذا معناه أن البكاء له وظيفة فإذا انقطعت صلة البكاء بوظيفته انقطع البكاء، فالمقصود بالبكاء تحريك الآخرين، فإذا كان الآخرون غير موجودين فإن البكاء يفقد وظيفته ويختفى.
بحسب دراسات كثيرة تبكي النساء أكثر من الرجال فعلا، ولا يعود السبب حصرا إلى ضغط يمارسه المجتمع على الرجل كي لا يبكي، إنما أيضا إلى عنصر بيولوجي، إذ يسهم الهرمون الجنسي الرئيسي لدى الذكور التستوستيرون في تقليل إفراز الدموع، بعكس هرمون البرولاكتين الذي ينتج بكمية أكبر لدى النساء.

بناء على ذلك يربط ارتفاع نسبة البكاء لدى الرجال مع تقدمهم في العمر، بتراجع نسبة هرمون التستوستيرون في أجسامهم.
والإنسان عندما يبكى فإنه يعبر عن ضعفه واحتياجه إلى الأمان والراحة، فلا يجد غير الدموع تنفيسا عما يعانيه من ألم نفسى وضغوط عصبية، ويعتقد علماء النفس أن عدم التنفيس عن المشاعر لفترة طويلة قد يكون خطرا على صحة المرء، فقد أشارت بضعة أبحاث إلى أن منع الدموع العاطفية من الانهمار قد يسبب ارتفاعا في نسبة خطورة الإصابة بأمراض القلب والضغط، كما أن دراسات أخرى أشارت إلى أن من يعانون من أمراض مثل التقرحات والتهابات القولون هم أقل تعبيرا لمشاعرهم مقارنة بالناس العاديين، وينصح علماء النفس الناس الذين يعانون من الحزن بالحديث والبكاء عوضا عن محاولات التحكم في مشاعرهم.
تقوم العديد من العيادات النفسية بجلسات نفسية علاجية بما يسمى " العلاج بالبكاء" ..