آخر تحديث :الخميس - 20 يونيو 2024 - 10:45 م

كتابات واقلام


الاقتصاد الأزرق | The Blue Economy

الخميس - 23 مايو 2024 - الساعة 09:15 م

د. وليد عبدالباري قاسم
بقلم: د. وليد عبدالباري قاسم - ارشيف الكاتب


مقدمة:
اخي وعزيزي الدكتور أحمد عوض بن مبارك رئيس وزراء اليمن تحية طيبة وبعد ..
في البداية أتمنى لكم دوام الصحة والتوفيق في مهامكم الاقتصادية والسياسية، واحيطكم علما بأني كتبت مقالة في مطلع عام 2020 بصحيفة 14 أكتوبر، العدد( 17154) عن الاقتصاد الأزرق والتنمية المستدامة في اليمن وكيفية استغلالها بشكل سليم ودقيق ما يوفر ازدهار اقتصادي كبير لوطننا المشتت والضائع. وعليه اسمحوا لي بإعادة نشرها علا تجدون ما يخدم وطننا الغالي.
خالص تقديري واحترامي
أ.د. وليد عبدالباري قاسم صالح
كلية المجتمع/ عدن

يعرف مصطلح الاقتصاد الأزرق إلى أنه الاقتصاد الذي يعني الإدارة الجيدة للموارد المائية وحماية البحار والمحيطات بشكل مستدام للحفاظ عليها من أجل الأجيال الحالية والقادمة، بما يدعم أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة "SDGs" ولا سيما في الهدف 14 الذي يحمل عنوان "الحياة تحت الماء".
أتى مفهوم الاقتصاد الأزرق الذي أنشأه رجل الاقتصاد البلجيكي - غونتر باولي - (Gunter Pauli) في أعقاب المبادرة العالمية التي أطلقتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" Fao. في مؤتمر البيئة العالمي في مدينة – ريو دي جانيرو البرازيلية - "ريو 20" عام 2012، كما أطلقت الفاو منذ عام 2013م مبادرة أسمتها "النمو الأزرق" من أجل دعم التحول إلى الاقتصاد الأزرق، ومساعدة الدول والحكومات في وضع وتنفيذ سياسات تعزز مفهومه، والذي يؤكد على صون الإدارة المستدامة للموارد المائية، استنادا إلى فرضية أن النظم الإيكولوجية السليمة للمحيطات هي أكثر إنتاجية وهي واجبة من أجل استدامة الاقتصادات القائمة على المحيطات.
ويؤكد المفهوم أهمية الإدارة المستدامة للموارد المائية، استناداً إلى فرضية أن النظم الإيكولوجية السليمة للمحيطات هي الأكثر إنتاجية، وهي ضرورية من أجل استدامة الاقتصادات القائمة على المحيطات.
ويعمل الاقتصاد الأزرق كمحفز لتطوير السياسات والاستثمار والابتكار في دعم الأمن الغذائي، والحد من الفقر والإدارة المستدامة للموارد المائية، وذلك عن طريق تربية الأحياء المائية، وتعزيز السياسات والممارسات الجيدة لاستزراع السمك والمحار والنباتات البحرية بصورة مسؤولة ومستدامة، بالإضافة إلى توفير خدمات النظام الإيكولوجي الذي يستهدف تعزيز النظم الرقابية وآليات استعادة الموائل الحيوية الساحلية والتنوع البيولوجي وخدمات النظام الأيكولوجي.
ويشمل الاقتصاد الأزرق الكثير من الأمور من بينها الصيد، النقل للركاب، والسياحة البحرية والبضائع، استخراج النفط والغاز من أعماق المحيطات والبحار.
وقد شهدت عدة دول صناعية تنمية اقتصادها الأزرق على نحو كبير من خلال استغلال الموارد البحرية كعمليات الشحن، الصيد التجاري، والصناعات النفطية والتعدينية فالدول الجزرية الصغيرة على سبيل المثال لديها موارد مائية هائلة تحت تصرفها، مما يوفر لها فرصة كبيرة لتعزيز نموها الاقتصادي، بالإضافة إلى علاج مشكلات كثيرة مثل البطالة والأمن الغذائي والفقر.
وبقدر ما يهدف الاقتصاد الأزرق إلى تحسين حياة الأشخاص وتعزيز العدالة الاجتماعية، فإنه يستهدف أيضًا الحد من المخاطر البيئية وندرة الموارد والحد من السلوكيات التي تؤدي إلى تغير المناخ.
وتقدر قيمة اقتصاد المحيطات في جميع أنحاء العالم بنحو 1.5 تريليون دولار سنويًا، كما أن 80% من التجارة العالمية يتم نقلها عبر البحر.
وترتبط 350 مليون وظيفة في جميع أنحاء العالم بصيد الأسماك، وتعد الزراعة المائية أسرع القطاعات الغذائية نموًا، وتوفر نحو 50% من الأسماك المخصصة للاستهلاك البشري.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 34% من النفط الخام سوف يأتي من الحقول البحرية بحلول عام 2025.
وهناك نحو 48 دولة في العالم محاطة بالكامل بدولة واحدة أو أكثر من دولة، ولا تطل على أي مصدر مائي، مما يقلل فرصها في وجود وسائل نقل أقل تكلفة.
وعلى رغم ذلك فإن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 تقر بحق كل دولة سواء كانت ساحلية أو غير ساحلية في أن تبحر بسفنها رافعة علمها على السفينة.
وقد قامت العديد من الدول غير الساحلية بالاستفادة من هذه الاتفاقية وتطوير اقتصادها الأزرق حتى يعمل كمحفز لتطوير السياسات والاستثمار والابتكار في دعم الأمن الغذائي والحد من الفقر والإدارة المستدامة للموارد المائية.
حسناً فلنرى ما الذي نملكه من هذا الاقتصاد الازرق في وطننا او بطريقة اخرى فلنحصي ما لدينا منه.

1.الجزر:
يقدر عدد الجزر اليمنية ب(184) جزيرة موزعة على ثلاثة قطاعات رئيسية هي: البحر الأحمر، وخليج عدن، والبحر العربي.
ويصل عدد الجزر في قطاع البحر الأحمر إلى (150) جزيرة موزعة على أربعة قطاعات رئيسية وهي: قطاع ميدي ويضم (52) جزيرة، وقطاع اللحية ويضم (48) جزيرة وقطاع كمران ويضم (17) جزيرة، وقطاع حنيش وزقر ويضم (33) جزيرة.
بينما يضم قطاع خليج عدن (21) جزيرة، اما عدد جزر البحر العربي فيبلغ (11) جزيرة، مقسمة إلى قطاعين وهما: قطاع بئر علي "شبوة" ويشمل على (4) جزر، وقطاع أرخبيل سقطرى ويشمل (7) جزر، بحسب دراسة أعدها موقع "المؤتمر نت" في وقت سابق.
فهذا العدد الكبير من الجزر، أوجد تنوعاً حيوياً وسياحياً نادراً ما يجعل اليمن دولة رائدة في سياحة الجزر والتي تشتهر غالباً بسياحة الغوص وخير خبير في هذا جارتنا وشقيقتنا الكبرى مصر العربية التي ممكن أن تساعدنا في بناء مقدراتنا المؤسسية في هذا المجال من خلال تدريب الكوادر في سياحة الغوص فلمصر باع كبير في هذا المجال وخير دليل على ذلك هما منطقتي (شرم الشيخ والغردقة).

2. أقليم السهل الساحلي:
الذي يمتد على طول السواحل اليمنية بطول 2500 كم، شاملاً سهل تهامة – سهل تبن – سهل ميفعة – السهل الساحلي الشرقي (المهرة) وتخترق أقليم السهل الساحلي العديد من الأودية التي تجري فيها السيول الناتجة من سقوط الأمطار. فكلها تشكل مستقبل واعد في السياحة البحرية كالفنادق والشاليهات والمنتجعات السياحية الأخرى بشتى أنواعها وهي من أهم العوامل للتنمية المستدامة في ازدهار الاقتصاد الوطني، هذا في حال وجدت الدولة القادرة على النهوض بالبلاد.

3.الموارد الطبيعية:
الثروات المعدنية بما فيها النفطية والغاز، فهناك حدود كبيرة وشاسعة في البحار والمحيط لم تكتشف بعد. وقد كشف (ويكليكس) عن التقرير الذي جرى إعداده للرئيس (بوتين) من قبل الادميرال (نيكولاي ماكسيموف) قائد اسطول روسيا الشمالي، جاء فيه ان هناك دوامة مغناطيسية متمركزة في الوقت الحالي في خليج عدن قد استعصت على كل محاولات روسيا والولايات المتحدة والصين وجهودهم المشتركة للتأكد من مصدرها وسبب تكونها، وطبقاً للتقرير فإن العلماء في الولايات المتحدة كانوا قد بدأوا بملاحظة تكون هذه الدوامة في أواخر العام 2000م وعلى إثر ذلك قاموا بتأسيس قاعدة لعملياتهم في القرن الافريقي وذلك في جيبوتي كبرى مدن جمهورية جيبوتي وعاصمتها. وتبعتها دول كثر في حضور اساطيلها البحرية بهذه الحجة أو غيرها من الحجج كالقراصنة الصومال، وهذا يترك لنا التفكير بمايدل على أنه احتمال حقل مخزون نفطي هائل، أو نوع من مصادر إنتاج الطاقة والصناعة الحديثة.
كذلك توجد موارد معدنية ضخمة وتشمل الفضة، والذهب، والنحاس، والزنك، والكوبالت، والنيكل، والفحم، والملح الصخري. وهناك ايضاً الكثير من الموارد غير المعدنية أو الرواسب المعدنية الصناعية مثل الحجر الجيري، المغنسيت، Scoria، الحجر الرملي، الجبس، الرخام، البيرلايت، الدولوميت، الفلسبار، Celestine، والتي للأسف لم تستخرج بعد.

4.الثروة السمكية أو الثروة البحرية:
الجمهورية اليمنية واحده من الدول الغنية بثرواتها البحرية المتميزة ليس فقط بحجمها وكثافتها بل وبتنوعها وجودتها ، فاليمن تطل الى 2500 كم من الشريط الساحلي وهذا الشريط يطل على البحر الأحمر والبحر العربي المطل على المحيط الهندي ، وهي ميزه هامه تعبر عن جيو إستراتيجية المنطقة وسبب رئيس في الثراء والتنوع وكثافة الشعاب المرجانية ، وتبلغ اعداد الأسماك المتنوعة قرابة 450 نوع أو يفوق ذلك .
ان مخزون الثروة البحرية في اليمن قلما يتوفر مجتمعاً بعناصره في بقية الأقطار العربية ومعروف أن العديد من دول العالم بما فيها الدول الساحلية كاليابان والصين وماليزيا واندنوسيا ومصر والأردن يستثمرون في المياه اليمنية ويستوردون من أسماكها وآخرون يصطادونها بانفسهم بطرق جائرة كالتفجير أو الجرف ودون مراعاة لمواقع الشعاب المرجانية وموسم تكاثر الأسماك .
أن الثروة السمكية وحدها كافية لإنتشال اليمن من فقرها ومأزقها الاقتصادية أن حضيت بالرعاية والاستخدام المنظم والحماية المطلوبة ، ويكفي من تلك الثروة الهائلة خمسة أنواع سمكية فقط ، وهي:
الشروخ – الجمبري – الحبار – الثمد(التونا) – الديراك (King Fish)
علماً بأن المغرب العربي يعتمد في جزء من ثروته البحرية التصديرية على السردين والسردين في اليمن يأتي تربيته في آخر قائمة الأسماك والشعب اليمني غير مهتماً أو غير مولعاً بهذا النوع من الأسماك .
تصنف الثروة البحرية ضمن الثروات الغير قابلة للنضوب لأنها تتجدد بتوالدها وتكاثرها وتعيد بناء ذاتها ، ولكن هذا يتم في البيئة النظيفة والبريئة وفي حالة الاصطياد المنظم والسليم ، بيد أن ما يحصل لهذه الثروة من نهب وإهدار وفتك وحشي لهو كاف لإبادتها ، والكثير من الدول البحرية تعتمد في الأساس على ثرواتها البحرية كأحد أهم الموارد الاقتصادية ، بينما لا تشكل هذه الثروة في بلادنا سوى نسبة بسيطة جداً في الاقتصاد اليمني لاتكاد تذكر إذ أن قيمة الأسماك المصدرة الى الخارج عام 2009م بـ 223 مليون دولار. وهذا ما سيغذي اقتصاد الوطن بالعملة الصعبة بشكل دائم، لو أجدنا التعامل معه بالشكل الصحيح وأقصد هنا علمياً وليس فساداً. فمن خلال مزارع الاسماك، ممكن نستعين بدول شرق اسيا الصين اليابان وكوريا وفي الطليعة حالياً دول الخليج العربي والتي أصبحت رائدة في هذا المجال حتى أنه لديها مزارع لأسماك السلمون (والتي تحتاج لظروف مناخية خاصة غير متوفرة لدينا) موجودة في الامارات و المملكة العربية السعودية.

5. التيارات البحرية:
التي تمر عبر المحيط الهندي من خلال البحر العربي ثم باب المنذب مروراً بجزيرة ميون إلى البحر الأحمر، ستوفر مصادر ضخمة من الطاقة صديقة البيئة وستغذي الوطن بأسره، فالتيارات البحرية مهمة جدًا للإنسان والبيئة المحيطة، وتشكل مصدر طاقة يمكن استغلاله بشكل مفيد، كما تعود أهمية التيارات البحرية إلى عدة نقاط منها:
-تعمل التيارات البحرية على تحييد الفرق في درجات الحرارة بين المناطق المختلفة في المحيطات مثلما تفعل الرياح على اليابسة، حيث أنها تنقل الحرارة بعيدًا ولذلك لا تبرد المحيطات التي في المناطق الباردة، أي أن التيارات البحرية تُنظم درجة الحرارة سواء على اليابسة أو في المحيطات والبحار.
-تؤدي التيارات البحرية إلى تدفق المياه المغذية إلى الأماكن التي يوجد بها مواد غذائية قليلة، حيث أنها تجلب الأسماك معها والتي لها أهمية كبيرة للحياة البحرية والصيادين في العالم.
تُعتبر التيارات البحرية وسيلة نقل للأسماك الصغيرة من مكان إلى آخر. تستخدم السفن التي تعمل على المحيطات التيارات لصالحها وتوفر تكلفة الوقود.
فلو أنشأت محطات الطاقة البديلة (التوربينات) بإستغلال هذه التيارات البحرية بدلاً عن المحطات ذات الوقود الأحفوري والتي تسبب في تغيرات مناخية حادة لكوكبنا، وهو مكلف جداً في وقتنا الراهن، ويعتبر عبئ كبير على اقتصاد البلد، لوفرت أزمات عدة وحسنت من المستوى المعيشي للشعب.

والخلاصة:
نحتاج إلى الخبرات والكفاءات الاجنبية والعربية والمحلية لإستثمار اقتصادنا الأزرق بشكل ذكي وحكيم ومفيذ للوطن والشعب، فهذا سيسهم في دور كبير لإمتصاص الصراع السياسي المدمر وسيبني بلد غني مليئ بالثروات والتي تحتاج إلى الكوادر الكفؤة لإكتشافها وإستثمارها.
نحن حقيقةً بأمس الحاجة إلى وطن يملؤه الكوادر والكفاءات الطموحة للبناء وليس بقادة يتبعهم جنود عديمي الفائدة لتدمير منجزات البلد، من أجل نهب أموال الشعب بأسم الوطن.
يجب أن نستفيق للخروج من ذلك النفق المظلم المليئ بالقيم الوطنية الزائفة والكاذبة وتعذيب الذات، فلننهج طريق واحد وهو العلم الذي بنيت به حضارات أوروبا كلها وتركت الجهل والتخلف والغش بشعارات مزيفة وأوهام مضللة أصبحت هي قيمنا ومبادئنا اليوم لنقتل بعضنا البعض، فبالعلم، والعمل، والأخلاق الحميدة سنبني حضارة ووطناً عظيماً من جديد.

د. وليد عبدالباري قاسم
أستاذ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية المشارك
كلية المجتمع / عدن