آخر تحديث :الإثنين - 12 يناير 2026 - 01:58 ص

كتابات واقلام


نزع الصفة القانونية عن المجلس الانتقالي: إجراء استباقي أم ضرورة سياسية؟ قراءة قانونية في الخلفيات والمسارات الممكنة

الإثنين - 12 يناير 2026 - الساعة 01:04 ص

د.ناظم صالح اسماعيل
بقلم: د.ناظم صالح اسماعيل - ارشيف الكاتب




ما جرى من نزع الصفة القانونية عن المجلس الانتقالي الجنوبي لا يمكن اختزاله في كونه قرارًا سياسيًا لحظيًا أو مجرد رد فعل على تطورات ميدانية، بل يبدو ـ في جوهره ـ إجراءً استباقيًا محسوبًا جاء في توقيت بالغ الحساسية، عقب شروع المجلس الانتقالي في التحرك ضمن مسار قانوني منظم، كان من شأنه إحداث ارتدادات قانونية محلية ودولية بالغة التأثير.

أولًا: الأساس القانوني للنزاع داخل مجلس القيادة

من حيث المرجعية الدستورية، يستمد كل من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي ونائبه عيدروس الزبيدي صفتهما القانونية من إعلان نقل السلطة، بوصفه الوثيقة السياسية–القانونية الأعلى التي تنظم صلاحيات مجلس القيادة وآليات عمله.
وبناءً عليه، فإن العلاقة بين أعضاء المجلس تقوم على تساوي المراكز القانونية، ولا يملك أي طرف صلاحية إقالة أو تجريد طرف آخر من صفته إلا وفق نصوص وآليات محددة وواضحة.

وعليه، فإن أي محاولة لإقالة الزبيدي أو تحجيم المجلس الانتقالي دون سند صريح، تُعد إخلالًا جوهريًا بمبدأ المشروعية، ومخالفة مباشرة لإعلان نقل السلطة ذاته.

ثانيًا: عيوب قرارات العليمي من منظور القانون اليمني

خلال الفترة الأخيرة، اتخذ رئيس مجلس القيادة قرارات سيادية واستثنائية، من بينها إجراءات ترتقي عمليًا إلى مستوى إعلان حالة طوارئ فعلية، دون الالتزام بالإجراءات الدستورية الواجبة.

فوفق الدستور اليمني والقوانين النافذة، فإن إعلان حالة الطوارئ يجب عرضه على مجلس النواب خلال مدة زمنية محددة (أسبوع) للموافقة عليه، وإلا عُدّ القرار مشوبًا بعيب عدم المشروعية.

كما أن القانون اليمني واضح في ما يتعلق بمساءلة شاغلي المناصب العليا؛ إذ لا يجوز إحالتهم إلى القضاء أو اتخاذ إجراءات عقابية بحقهم إلا بعد رفع الحصانة البرلمانية وبأغلبية الثلثين، وهو شرط غير متحقق في الواقع السياسي الراهن.
وبالتالي، فإن أي إجراءات إقصائية أو عقابية تُتخذ خارج هذا الإطار، تفتقر إلى الغطاء القانوني الصحيح.

ثالثًا: من الطعن الداخلي إلى المسار الدولي

بحسب مصدر قانوني داخل المجلس الانتقالي، فإن المجلس كان قد بدأ فعليًا في بناء ملف قانوني متكامل للطعن في قرارات العليمي، استنادًا إلى مخالفتها لإعلان نقل السلطة واتفاق الرياض، مع التوجه ـ في حال إبطال هذه القرارات قانونيًا ـ إلى فتح مسار تقاضٍ دولي.

وتكمن خطورة هذا المسار في أن إبطال قرارات العليمي قانونيًا ينسف الأساس الذي استندت إليه أي تدخلات أو هجمات عسكرية لاحقة، ويفتح الباب أمام توصيف تلك الأفعال باعتبارها استخدامًا للقوة دون تفويض قانوني صحيح.

رابعًا: الإطار القانوني الدولي للمساءلة

في القانون الدولي، وتحديدًا وفق:

مبادئ مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دوليًا،

ومبدأ عدم جواز استخدام القوة إلا بناءً على تفويض مشروع،

وأحكام القانون الدولي الإنساني المتعلقة بحماية المدنيين،


فإن ثبوت عدم مشروعية السلطة التي طلبت التدخل العسكري يتيح ـ نظريًا وقانونيًا ـ للضحايا وأسرهم، وكذلك للكيانات السياسية المتضررة، الحق في اللجوء إلى آليات دولية متعددة، حتى وإن كان المسار طويلًا ومعقدًا.

وهنا تحديدًا يمكن فهم نزع الصفة القانونية عن المجلس الانتقالي كخطوة وقائية استباقية، تهدف إلى:

تحييد المجلس قانونيًا،

قطع الطريق أمام استكمال ملف الطعن،

ومنع تحوله إلى طرف ذي أهلية قانونية في أي مسار تقاضٍ دولي محتمل.


خامسًا: دلالات التحرك نحو السلطة القضائية

في هذا السياق، لا يمكن فصل مبادرة رشاد العليمي إلى دعوة مجلس القضاء الأعلى والنائب العام إلى السعودية عن المخاوف من اتساع المسار القانوني، سواء على المستوى المحلي أو الدولي.
فهذا التحرك يُقرأ قانونيًا وسياسيًا بوصفه محاولة لإحكام السيطرة على مفاصل القرار القضائي، تحسبًا لأي إجراءات قانونية قد تطال العليمي أو تمتد إلى الطرف السعودي، في حال تطور ملف الطعن إلى مسار دولي.

سادسًا: المسارات العملية الممكنة رغم التعقيد

رغم إدراك تعقيدات المشهد، إلا أن العمل القانوني لا يُقاس بنتائجه الفورية، بل بطبيعته التراكمية. ويمكن العمل نظريًا عبر:

1. توثيق قانوني شامل للمخالفات والضحايا والأضرار.


2. تثبيت الطعون محليًا حتى وإن كانت النتائج محدودة، بهدف حفظ الحق القانوني.


3. اللجوء إلى الآليات الأممية (المقررين الخاصين، الشكاوى الحقوقية).


4. استكشاف الولاية القضائية العالمية في بعض الدول.


5. استخدام القانون كأداة ضغط سياسي ودبلوماسي، لا كمسار قضائي صرف.



وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن المساعي نحو المحاكم والآليات الدولية قد بدأت فعليًا، مع توجيه الجهد القانوني نحو مساءلة القرارات، وربط المسؤولية القانونية بين العليمي والجهة التي وفرت الغطاء والدعم لتلك الإجراءات.
لهذا نقول :
إن ما جرى يؤكد أن الصراع لم يعد سياسيًا أو عسكريًا فقط، بل دخل مرحلة الصراع على المشروعية.
وحين ينتقل النزاع إلى ساحة القانون، تتغير قواعد اللعبة، وتصبح القرارات الاستباقية محاولة لإغلاق الأبواب قبل فتحها.

القانون قد يكون بطيئًا، لكنه لا يسقط بالتقادم السياسي، والعمل ضمن مساراته ـ حتى وإن طال ـ يظل أحد أهم أدوات حماية الحقوق، وتقييد القوة، ومنع تحويل الأمر الواقع إلى شرعية دائمة.