آخر تحديث :الأربعاء - 14 يناير 2026 - 07:59 م

كتابات واقلام


عن: قيم ومعاني التصالح والتسامح في الانتصار لقضية شعب الجنوب

الأربعاء - 14 يناير 2026 - الساعة 06:29 م

اللواء علي حسن زكي
بقلم: اللواء علي حسن زكي - ارشيف الكاتب


باحتفالات مهيبة شهدتها محافظات الجنوب وعاصمتها التاريخية عدن، يستقبل شعبنا الجنوبي الأبي ذكرى عزيزة وغالية، الذكرى العشرون ليوم انطلاقة مسيرة التصالح والتسامح والتضامن الجنوبي، 13 يناير 2006م، كقيمة إنسانية وحضارية وأخلاقية. تتجلى هذه المسيرة في الانتصار لقضية شعب الجنوب بإغلاق صفحة الماضي بكل جراحاته، وبما نتج عنه من مأساة للوطن الجنوبي وأهله ودولته وتجربته ومنجزاته، فضلاً عن تمزيق وحدة الصف الجنوبي ونسيجه المجتمعي وتماسكه المدني والسياسي.
ولتفويت الفرصة على من حاولوا ولا يزالون حصر أحداث 13 يناير 1986م ونتائجها المؤسفة على محافظات أخرى، واستثمار تلك الورقة لدق إسفين بين الجنوبيين، ناهيك عن محاولات قوى الشمال التي ظلت دوماً متربصة وربما كان لها أيادٍ خفية.
إن من أخطاء القيادة السياسية دخول الجنوب وشعبه ودولته بكل مؤسساته في الوحدة عام 1990م قبل التصالح مع الذات الجنوبية وإغلاق صفحة الماضي، ليس فقط أحداث 13 يناير 1986م، ولكن أيضًا أحداث 26 يونيو 1978م و22 مايو 1969م، التي حدثت جميعها بين رفاق المسيرة النضالية الواحدة، والهدف والمصير واللون التنظيمي والسياسي الواحد. وكان من الواجب إجراء حوار ومصالحة وطنية جنوبية وجبر الضرر يشمل شركاء النضال التحرري من القوى السياسية الأخرى قبل الدخول في الوحدة.
لقد استفادت قوى الحكم في الشمال من كل هذه الأوراق المفتوحة، ومن القيادات الحزبية والحكومية والعسكرية والأمنية التي نزحت إلى الشمال بفعل تلك الأحداث المؤسفة عشية الاستقلال وبعده، وقامت بتأليبها وتعبئتها ضد الجنوب ودولته تحت غطاء إنصافهم من الاشتراكي. وما تخلل ذلك من تفكيك البنية العسكرية والأمنية وتشتيتها وإضعافها بعد الدخول في الوحدة، مع توافر معلومات أمنية استخبارية لاريب فيها، كان له أثر بالغ في تحقيق قوى الحرب لمآربها الاحتلالية الغاشمة.
إن قوى الشمال/قوى حرب عام 94م على الجنوب قد استخدمت في الحرب كل تلك الأوراق، مما ساعدها على تحقيق أهدافها العدوانية. وبعد أن أوهمت الجنوبيين أن الاشتراكي هو المستهدف، اتضح لاحقًا أن الجنوب وشعبه، وهم جزء منه، وكذلك دولته ومؤسساته وتجربته وأرضه وثرواته، كان المستهدف، وشمل الاشتراكي بالفتوى التكفيرية التي أباحته غزو الجنوب ودماء وأعراض وأموال أبنائه باعتباره دار كفر يأوي الاشتراكيين.
لقد أوردنا كل ما سبق لتبيان مدى ضرورة التصالح والتسامح، ليس فقط في إغلاق الماضي على أهميته، ولكن أيضًا في وحدة الصف الجنوبي وتماسك نسيجه المجتمعي في مواجهة قوى الحرب والاحتلال وقواتها العسكرية والأمنية، وتأسيس المكونات الجنوبية على مستوى المديريات والمحافظات، وعلى مستوى الجنوب كله، وإن تعددت مسمياتها، لكنها كانت واحدة في نضالها السلمي وتضحياتها وهدفها الواحد: التحرير والاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية.
وعلى قاعدة التصالح والتسامح أيضًا، وبوحدة كل أبناء شعب الجنوب، انطلقت ثورة النضال السلمي من ساحة الحرية بخور مكسر يوم 7/7/2007م، وهزّت قوى الحراك السلمي بفعاليتها السلمية عرش قوى الاحتلال. وامتدادًا لمكونات الحراك، انبثقت المقاومة الشبابية المسلحة أيضًا في التصدي لحرب عام 2015م، وتم تطهير أرض الجنوب من قواتها الغازية، ومعها بقايا قوات حرب عام 94م الغاشمة باستثناء قوات المنطقة العسكرية الأولى. وامتدادًا لتلك الانتصارات والمكونات، وتفهمًا لها، تأسس المجلس الانتقالي عام 2017م، وتفويضه حاملًا سياسيًا لقضية شعب الجنوب واستعادة دولته.
لقد كانت للمجلس الانتقالي تجربة وطنية جنوبية متميزة لا ينكرها إلا جاحد، مع وجود أخطاء وثغرات هنا وهناك، وتصرفات فردية أثرت بعض الشيء على الصورة العامة، لكن من أهم المكاسب التي حققها الانتقالي بناء قوات عسكرية وأمنية حديثة، وحماية السيادة الوطنية والأمن والاستقرار.
غير أن ضعف المطبخ، كما يبدو، وربما عدم دقة التوقيت وقراءة تشابك وتقاطع مصالح القوى الخارجية للنتائج المفترضة، ربما كان مقصودًا لإيقاع الانتقالي في فخ، بإعطائه الضوء الأخضر لإخراج قوات المنطقة العسكرية الأولى والسيطرة العسكرية والأمنية على حضرموت والمهرة وتحريرها من الإرهاب والتهريب ونهب الثروات، وهو إجراء سيادي، ليتم إلحاق الضرر بقدراته العسكرية والأمنية، وتفكيك قواته، وهو الفخ بعينه، بقصد إضعافه عسكريًا، وصولًا إلى محاولات تمزيقه ككيان وتفكيك وتشتيت قواته تحت عنوان الدمج.
إن كل ما سبق ذكره، برأينا، يحتاج إلى مراجعة تقييمية مهنية، أكاديمية وسياسية للاستفادة، والبناء على كل ما هو إيجابي، بقدر ما يحتاج إلى المبادرة لتأسيس جبهة وطنية جنوبية واسعة تستوعب تمثيلًا وطنيًا جنوبياً متوازنًا ومن كل ألوان الطيف، وتجسيد قيم التصالح والتسامح في الوعي والممارسة والسلوك، باعتبار كل ذلك الحصن المنيع والسياج المتين للحفاظ على الوطن ووحدته وسيادته، وتحقيق تطلعات شعبه وحقه في استعادة دولته وتقرير مصيره.