آخر تحديث :الخميس - 15 يناير 2026 - 12:30 ص

كتابات واقلام


نريد منتج وطني!

الأربعاء - 14 يناير 2026 - الساعة 11:16 م

علي عبدالإله سلام
بقلم: علي عبدالإله سلام - ارشيف الكاتب


لا أؤمن بأي طرف سياسي يصل إلى الحكم محمولًا على ظهر دبابة قادمة من الخارج، مهما كانت المبررات ومهما بدا السبب مغلفًا بالشعارات. فالتجربة تقول، بلا مواربة، إن الشرعية التي تُستورد لا تعمّر، وإن السلطة التي تبدأ بالقوة تنتهي بها، وإن الوطن لا يُدار بعقلية الغلبة بل بعقد أخلاقي بين الحاكم والناس.

ومن هذا المنطلق، فإن النصيحة التي يمكن توجيهها اليوم للحكام الجدد في عدن هي نصيحة صريحة لا تحتمل التأجيل: خففوا من لهجة العنف والتهديد والوعيد. لا تكونوا نسخةً أخرى من أسلافكم، أولئك الذين ما إن وصلوا إلى منطقة بعينها حتى استبدلوا لغة السياسة بلغة الرصد، وحوّلوا الدولة إلى بلاغات كيدية، والاختلاف إلى تهمة، والرأي إلى ملف أمني.

لقد رأينا كيف جرى، في تجارب سابقة، تجنيد بعض الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي ليقوموا بدور المخبرين الجدد، يكتبون تقارير كيدية لا بدافع الحرص على الوطن، بل طمعًا في كسب ثقة الكفيل، وبثمنٍ بخس. تقارير تُرفع سريعًا، لكنها تترك جروحًا عميقة في المجتمع، وتُشيع مناخًا من الخوف والشك، وتُقوّض أي أمل في بناء دولة تقوم على الثقة وسيادة القانون.

إن أخطر ما في هذه الممارسات ليس فقط ظلم الأفراد، بل ترسيخ ثقافة الوشاية كأداة حكم. فحين يصبح المواطن مشروع متهم، وحين تُدار السلطة بعقلية «من ليس معنا فهو ضدنا»، فإن النتيجة الحتمية هي تفكك النسيج الاجتماعي، وتآكل ما تبقى من شرعية سياسية وأخلاقية.

العنف، سواء كان لفظيًا أو ماديًا، ليس دليل قوة، بل علامة ضعف. والسلطة التي تحتاج إلى التهديد كي تفرض نفسها، تعلن ضمنيًا عجزها عن الإقناع. فالحاكم الواثق من عدالة قضيته لا يخشى النقد، ومن يستند إلى الناس لا يحتاج إلى إسكاتهم.

وفي هذا السياق، تستعيد كلمات تشي غيفارا معناها العميق حين قال في إحدى كتاباته خلال حروب التحرر: «المرتزق لا يقاتل لأنه يؤمن، بل لأنه يُدفَع له، وحين ينقطع الدفع ينقطع الولاء». فالمشاريع التي تقوم على الولاءات المؤقتة، وعلى القوة المستعارة، تظل هشة وقابلة للانهيار عند أول تغير في موازين المصالح. أما الأوطان، فلا تُبنى بالمرتزقة، ولا تُحمى بالبنادق وحدها، بل بالإيمان الحقيقي بالقضية والالتفاف الشعبي حولها.

إن عدن، المدينة التي أنهكتها الصراعات، لا تحتاج إلى سلطة تُكثر من الوعيد، بل إلى دولة تُحسن الإصغاء. تحتاج إلى خطاب يطمئن لا يُفزع، وإلى ممارسة تحكمها القوانين لا الأمزجة، وإلى قطيعة جادة مع أساليب الرصد والتخوين التي لم تُنتج يومًا استقرارًا ولا أمنًا.
التاريخ واضح في دروسه: كل سلطة تتشبه بأسلافها في القمع، تنتهي إلى المصير نفسه، مهما اختلفت الرايات وتبدّلت الشعارات. وحدهم الذين يختارون طريق السياسة بدل العسكرة، والحوار بدل التخويف، هم من يمنحون أنفسهم فرصة أن يُكتبوا في ذاكرة الناس كحكام حاولوا أن يكونوا أبناءً لوطنهم، لا وكلاء لقوى الخارج.