آخر تحديث :السبت - 17 يناير 2026 - 02:49 م

كتابات واقلام


عندما يتحول الإعلام إلى أداة خصومة لا منصة دولة

السبت - 17 يناير 2026 - الساعة 01:23 م

جهاد محسن
بقلم: جهاد محسن - ارشيف الكاتب


ليس أخطر على الدول من إعلام يفقد وعيه بدوره، ويتحول من أداة تعبير عن السياسة إلى أداة خصومة، ومن منصة دولة إلى ساحة تصفية حسابات، فما نشهده اليوم من أداء بعض المنابر السعودية تجاه رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس قاسم الزبيدي لا يمكن توصيفه واختزاله باعتباره “اختلافا في الرأي”، بل انحدارا واضحا إلى خطاب تحريضي، يفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية والمسؤولية السياسية.
لقد جرى تسخير آلة إعلامية واسعة، بكامل أدواتها التقليدية والرقمية، لإنتاج سرديات مشوهة، وتدوير اتهامات بلا سند، في محاولة لصناعة واقع إعلامي بديل عن الواقع السياسي والميداني، غير أن هذا المسار بدل أن يعزز موقفا أو يحمي نفوذا، كشف ارتباكا عميقا في الرؤية، وعجزا عن قراءة التحولات الحقيقية على الأرض.
الخطاب السعودي الذي ساد لم يكن خطاب دولة تبحث عن حلول، بل خطاب انفعال يفتقر إلى الحكمة، ويقوم على التشويه لا التحليل، وعلى الاستهداف لا التقييم، وهو ما يعكس أزمة أعمق من مجرد حملة إعلامية، أزمة في إدارة الخلاف، وفشل في استخدام الإعلام كأداة سياسية رشيدة، لا كوسيلة ضغط فجة.
الأكثر خطورة أن هذا الإعلام لم يتوقف عند استهداف شخصية سياسية جنوبية، بل توسع ليطال دولة بحجم الإمارات، في سلوك يفتقد للبصيرة السياسية، ويتجاهل عمق العلاقات والتشابكات الإقليمية والدولية. فالإمارات ليست طرفا عابرا يمكن النيل منه بحملات دعائية، بل دولة ذات حضور دولي، ورصيد إنساني وسياسي، تدرك جيدا متى تتكلم ومتى تلتزم الصمت، لأن الصمت أحيانا يكون أقسى من الرد.
إن الإصرار على هذا النهج الإعلامي لا يخدم السعودية، ولا يعزز صورتها، بل يضعف ما تبقى من صدقيتها الخطابية، ويمنح خصومها أوراقا مجانية. فالدول تقاس بثباتها لا بانفعالها، وبقدرتها على إدارة الخلاف لا بتفجير المنابر، وبحكمة خطابها لا بضجيج إعلامها.
أما الرهان على كسر الإرادة الجنوبية عبر حملات التشويه فقد ثبت فشله، فالشعوب لا تدار بالعناوين المضللة، ولا تهزم بالتغريدات، ولا تعاد صياغة وعيها في غرف التحرير وكواليس السياسة المغلقة، والجنوب بتجربته الطويلة مع الصراعات، بات أكثر مناعة تجاه محاولات التأثير السطحي، وأكثر قدرة على التمييز بين النقد السياسي المشروع والاستهداف المقصود.
إن ما يحدث اليوم ليس معركة إعلامية ناجحة، بل عرض مفتوح لأزمة خطاب، وانكشاف لمستوى سياسي غير قادر على التعامل مع المتغيرات إلا عبر أدوات قديمة فقدت تأثيرها، والتاريخ علمنا أن الإعلام الذي يستخدم كسلاح بلا ضوابط، ينقلب في النهاية على من يستخدمه، ويترك خلفه سمعة مثقلة بالشك لا بالاحترام.
في السياسة قد تختلف المصالح، وقد تتعارض الرؤى، لكن الثابت أن الإعلام غير المنضبط لا يصنع نفوذا، بل يستنزفه، ومن يعتقد أن الصوت الأعلى هو المنتصر، ينسى أن السياسة لا تدار بالصراخ، وأن الدول الكبرى لا تحتاج إلى حملات تشويه، بل إلى خطاب يعرف متى يشتد، ومتى يتراجع، ومتى يصمت.