آخر تحديث :السبت - 17 يناير 2026 - 05:13 م

كتابات واقلام


حين تصبح المعاناة روتينا… و الحياة خيارها الصبر المفتوح

السبت - 17 يناير 2026 - الساعة 03:26 م

نائلة هاشم
بقلم: نائلة هاشم - ارشيف الكاتب





لم تعد معاناتنا اليوم استثناء أو ظرفا عابرا، بل تحولت إلى جزء من روتين يومي نعيشه بصمت. نستيقظ كل صباح مثقلين بالهموم ذاتها، نتعامل مع الأزمات وكأنها أمر طبيعي، ونؤجل أحلامنا إلى وقت غير معلوم، ربما لأنه لم يعد هناك متسع للأمل.

أبسط تفاصيل حياتنا باتت مرهقة الكهرباء، المياه، الراتب ، الأسعار، حقي في ارضي وحقي في وطن يسوده السلام ، جميعها تحولت إلى معارك يومية يخوضها المواطن وحده. لم نعد نسأل: متى ستنتهي المعاناة؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمر هذا اليوم بأقل التكاليف؟

اخشى أن نعتاد الظلم، وأن نتعامل مع القصور والفشل و كأنهما قدر محتوم، ويمر الفساد دون مساءلة أو محاسبة. هذا التعايش القسري مع الألم هو أخطر ما نمر به في هذه المرحلة ، لأنه يقتل فينا روح الرفض، ويضعف قدرتنا على المطالبة بحقوقنا المشروعة .

اصبحت الاسر تحسب الخطوات وتعيد ترتيب الأولويات لتكتفي بأبسط الاحتياجات، بينما يكبر الأطفال وهم يشاهدون القلق في عيون ذويهم أكثر مما يشاهدون ملامح الطمأنينة. هذه ليست مشاهد استثنائية، بل صورة يومية تتكرر في كل منزل واحياء بلادي .

ورغم كل ذلك، ما يزال هذا المجتمع يمتلك قدرة مدهشة على الصمود والمطالبة بالحقوق المشروعة . يتشارك الناس ،و يتكاتفون في الأزمات، ويخلقون من المعاناة مساحة للتراحم والتضامن. لكن الصمود وحده لا يكفي، ولا يجب أن يكون بديلا عن قيام الدولة بمسؤولياتها تجاه هذا المواطن المطحون .

لسنا بحاجة إلى خطابات مطولة ولا وعود مؤجلة، بل إلى حلول حقيقية تمس حياة الناس، تحفظ كرامتهم، وتعيد الاعتبار للإنسان كأولوية لا كرقم في قائمة الانتظار. فالحياة الكريمة ليست مطلبا ترفيا، بل حقا أصيلا لا يسقط بالتقادم .

وختاما اقول إن جوهر أي مشروع وطني أو قرار مسؤول يقاس بمدى انعكاسه على تفاصيل حياة الناس اليومية، لا ببلاغة الشعارات ولا بكثرة التصريحات. فحين تستعاد كرامة الإنسان، ويشعر المواطن بأن صوته مسموع واحتياجاته أولوية، عندها فقط يمكن الحديث عن دولة تحترم مواطنيها وتسير بثبات نحو المستقبل. أما تجاهل الإنسان وحقوقه، فلن يورث إلا مزيدا من الإحباط، و يعمق الفجوة بين المجتمع والسلطة، وهي فجوة لا تحتملها الأوطان المنهكة.