آخر تحديث :الثلاثاء - 20 يناير 2026 - 10:38 م

كتابات واقلام


مرة اخرى : عدن لا تحتاج وصيا… بل قانونا يحميها

الثلاثاء - 20 يناير 2026 - الساعة 08:31 م

عارف ناجي علي
بقلم: عارف ناجي علي - ارشيف الكاتب


ليست أزمة عدن اليوم أزمة أشخاص أو مجالس أو مكوّنات ولا سباقًا للبحث عن كبيرٍ للقوم، ولا صراع مناصب أو نفوذ، بل هي في جوهرها أزمة غياب القانون ، قانون يحمي المدينة وينصف أبناءها وينظم إدارتها بما يتوافق مع طبيعتها وتاريخها ونسيجها الاجتماعي المتنوع.

عدن لم تكن يومًا مدينة تُدار بالعصا ولا تُحكم بالقبيلة ولا تُختزل في شيخ أو عسكري فعدن وُلدت مدينة مدنية وعاشت مدنية وستبقى مدنية مهما حاول البعض جرّها خارج هويتها.

منذ نشأتها تشكّلت عدن كمدينة كوسموبوليتية جامعة احتضنت الجميع دون تمييز وتعايش فيها الناس بمختلف أصولهم وأديانهم وثقافاتهم، وكان معيار الانتماء فيها هو المواطنة والعمل والكفاءة لا الأصل ولا الجغرافيا.

ولهذا كانت عدن سبّاقة في الإدارة وفي بناء المؤسسات وفي تشكيل أول مجلس تشريعي وحكومة محلية وفي إدارة الميناء والبنوك والأمن والتعليم بروح الدولة، لا بعقلية الغلبة ولهذا تحديدًا لا يمكن التعامل مع عدن كأي مدينة أخرى.

فعدن ليست حالة طارئة، ولا تجمعًا سكانيًا عابرًا، بل مدينة ذات خصوصية سياسية واجتماعية وتاريخية واضحة، وهذه الخصوصية لا يمكن حمايتها إلا بقانون.

لقد تحولت عدن خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة صراع دائم لمختلف القوى السياسية والحزبية، ومدينة أطماع للآخرين، ومركز نفوذ لقوى متعددة نتيجة الانقسام السياسي الحاد وغياب الدولة الجامعة.

هذا الواقع جعل المدينة مكشوفة تتنازعها المصالح وتتداخل فيها السلطات وتضيع فيها المسؤوليات وتُهمَّش فيها إرادة أبنائها.

وما تعانيه عدن اليوم من فوضى إدارية وانهيار خدمات، وتضارب صلاحيات، وعبث بالأراضي، وتهميش للكفاءات، ليس إلا نتيجة مباشرة لغياب إطار قانوني واضح ينظم إدارة العاصمة ويحميها من التجاذبات والصراعات.

عدن لا تحتاج من “ينظمها”، فهي منذ القدم قدّمت نموذج الرقي والانضباط والنظام ولا تحتاج من “يمثلها” بالوصاية، لأن أبناءها قادرون على تمثيلها بوعيهم ومدنيتهم وتاريخهم.

إن ما تحتاجه عدن اليوم هو قانون خاص قانون إداري مختلف عن بقية المدن، يراعي مكانتها ورمزيتها ووظيفتها الوطنية.

قانون يحدد صلاحيات الإدارة المحلية بوضوح.
يمكّن أبناء عدن من إدارة شؤون مدينتهم عبر مؤسسات منتخبة.
يحمي التنوع الاجتماعي والنسيج المدني.
يمنع عسكرة المدينة أو تحويلها إلى ساحة صراع.
يضمن الرقابة والشفافية والمساءلة.
فعدن لا تُحكم بالأوامر، بل تُدار بالقانون.
ولا تُحمى بالقوة، بل تُصان بالعدالة.
إن المدن ذات الرمزية الوطنية والتاريخية لا تُترك للاجتهادات ولا للأمزجة السياسية،
بل تُحمى بنصوص قانونية ودستورية واضحة.
وعدن بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وتاريخي، تستحق أن تكون مدينة مستقرة ومركزًا سياسيًا واقتصاديًا فاعلًا ومحمية بإطار دستوري يمنع العبث بها أو استخدامها كورقة صراع.

لقد أثبتت التجارب أن الحلول المؤقتة لا تنقذ المدن، بل تؤجل الانفجار وأن الدولة الحديثة لا تُبنى بالأشخاص مهما كانت مواقعهم بل تُبنى بالقانون، والمؤسسات والانتخابات.

عدن تحتاج اليوم إلى إعادة الاعتبار لفكرة: الانتخاب لا التعيين.
المؤسسة لا الفرد.
القانون لا النفوذ.

ومن هنا نعيد التأكيد عدن لا تحتاج شيخًا ولا قائدًا عسكريًا يحكمها بل تحتاج مجلسًا محليًا منتخبًا وإدارة مدنية وقانونًا خاصًا يحميها.

فعدن حين تُدار بإرادة أبنائها وضمن إطار قانوني عادل ستستعيد دورها الطبيعي كمدينة جامعة
وعاصمة مدنية ومركز اقتصادي وثقافي فاعل.

إن حماية عدن ليست شعارًا يُرفع ولا قضية موسمية تُستحضر عند الأزمات بل مسؤولية وطنية تبدأ من الاعتراف بحقها في قانون يحميها.
عدن مدينة قانون…
ومن دون القانون،
ستبقى المدينة تدفع ثمن غياب الدولة.