آخر تحديث :الأربعاء - 28 يناير 2026 - 04:17 م

كتابات واقلام


خديعة التمكين: لماذا يجب رفض الشراكة في حكومة الزنداني المرتقبة

الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 02:16 م

حافظ الشجيفي
بقلم: حافظ الشجيفي - ارشيف الكاتب


تأبى السياسة في منطق الحقائق إلا أن تكون مرآة تنعكس عليها صور النفوس، فإذا النفوس مريضة بأهوائها جاءت السياسة معلولة بآفاتها، وإن هي إلا صراع بين حق يراد به وجه الحق، وباطل يتزيا بزي الصلاح ليمرر نصل الغدر في خاصرة الشعب، وما أرى المشهد اليوم في الجنوب إلا صفحة من صفحات هذا الصراع الذي تداخلت فيه خيوط المكر حتى ظن الرائي أن الفشل الذي حاق بالخطة الأولى قد يبعث على اليأس، بيد أن المتأمل بقلب الأديب وعقل الفيلسوف يدرك أن المكر حين يفشل في الوثوب يبدأ في الزحف، وحين يعجز عن المواجهة يتخذ من لقمة العيش والكهرباء وقطرة الماء وسيلة للاستعباد والتركيع، ولعمري إنها لسياسة تخلو من المروءة حين تتحول حاجة الناس الضرورية إلى ورقة مساومة في سوق النفوذ، فما كان تغييب الخدمات في الأمس إلا فصلا من فصول المسرحية، وما إعادتها اليوم في غياب المجلس الانتقالي إلا الفصل الذي يليه، ليوهموا عامة الجنوبيين أن العلة كانت فيمن يمثل قضاياهم، وأن الانفراج لم يأتي إلا برحيلهم، وكأنما الكهرباء والماء لم تكن حقا طبيعيا بل كانت منحة مسلوبة لغرض في نفس يعقوب.
واليوم تتحرك أيادي الخفاء لترسم ملامح السيناريو القادم، وهو سيناريو أشد وطأة وأكثر دهاء، إذ يعمدون إلى سياسة الإغداق المؤقت ليضربوا ثقة الشعب في رمزه السياسي، فإذا استقرت الخدمات في غياب الانتقالي، نادى المنادي أن انظروا كيف صلحت الأحوال لما تنحى هؤلاء، وهي دعوة باطلة يراد بها حقن السم في الدسم، ثم تأتي المرحلة التالية بالدعوة إلى تشكيل حكومة جديدة يقودها من لا تتوائم تطلعاته مع طموح ابناء الأرض، ويغرون فيها المجلس الانتقالي بالمناصفة أو بأكثر من ذلك من الحقائب الوزارية فيها، وما هذا الكرم المفاجئ إلا فخا نصب بعناية، وما تصريحات مستشار العليمي احمد الصالح الذي هدد بعدم السماح للحكومة الجديدة بالعودة الى عدن مالم يحظى الجنوبيين بحصة الاسد فيها بحجة أنهم أصحاب الأرض إلا تمهيدا أخلاقيا لتبرير عودة المجلس الانتقالي إلى وحل الشراكة التي لم تورثه إلا الخيبة، فالمطالبة بالحقائب الكثيرة اليوم ليست إلا الغطاء الذي سيمرر تحته الانتكاس القادم، فبمجرد أن يتبوأ وزراء الانتقالي مقاعدهم في الحكومة، ستعود الأزمات الخدمية لتشتعل من جديد، وبصورة أشرس مما كانت عليه في الحكومة السابقة، لتقول الماكنة الإعلامية للعالم وللشعب الجنوبي بملء فيها أن هؤلاء لا يحسنون إدارة ولا يملكون كفاءة، وأن حلم الدولة المستقلة ليس إلا وهما في رؤوس من لا يستطيعون توفير شربة ماء أو إضاءة مصباح.
فالفلسفة الكامنة وراء هذا الترتيب الخبيث ترمي إلى غاية واحدة، وهي ترسيخ القناعة بأن الجنوبيين عاجزون عن حكم أنفسهم، وأن "الاستقلال" كلمة أكبر من قدراتهم الإدارية، ليدفعوهم. بذلك دفعا نحو القبول بالفيدرالية مع الشمال كحل وحيد ونهائي، وكأنهم يقولون للشعب إن الفشل قدركم إذا انفردتم، وإن نجاتكم في تبعيتكم، وهذا هو عين الاستلاب الذي حاربه الأحرار عبر التاريخ، فكيف يلدغ المؤمن من جحر الشراكة مرتين، وكيف يقبل صاحب القضية أن يكون شريكا في حكومة هي في الأصل أداة لهدم طموحه، فالواجب الوطني والمنطق السياسي السليم يمليان في هذه اللحظة الفارقة أن يترفع المجلس الانتقالي عن هذه الشراكة الملغومة، وأن يدرك أن القبول بالوزارات في ظل هذا المناخ ليس إلا انتحارا سياسيا وتضحية بإرادة الشعب على مذبح المناصب، فالشعب الذي صمد أمام آلة الحرب لن تكسره آلة الأزمات المفتعلة إذا وجد قيادة ترفض أن تكون غطاء لجلاديه، والموقف الحق هو الانحياز للناس بعيدا عن كراسي السلطة التي يراد لها أن تكون مقصلة للقضية، فلا استقامة لظل والعود أعوج، ولا نجاح لشراكة قامت على نية الغدر، وإن الاستقلال لا يوهب في حقائب وزارية، بل ينتزع بالثبات على المبادئ والترفع عن إغراءات الفشل المقنن.