آخر تحديث :الأربعاء - 28 يناير 2026 - 03:03 م

كتابات واقلام


عن: حل القضية الجنوبية واستعادة دولة الجنوب العربي ومشاريع الأقاليم

الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 02:20 م

اللواء علي حسن زكي
بقلم: اللواء علي حسن زكي - ارشيف الكاتب


إن ما وصل إليه حال شعب الجنوب في مختلف شؤون حياته، والوفاء لتضحيات الشهداء والجرحى، وحقه في تحقيق تطلعاته وسيادته وأمنه واستقراره ومستقبل أجياله اللاحقة، كل ذلك يتطلب حلاً عادلاً لقضيته واستعادة دولته، وهو المأمول من مؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي، والجنوبي – الشمالي، في إطار تسوية سياسية شاملة للقضية اليمنية، كما أشار إليه الخطاب السعودي وأثناء لقاءات مسؤولين سعوديين مع الجنوبيين.
وفي ذات السياق، وتزامنًا معه، بات محتملًا – حتى الآن – بالنظر إلى مجمل التعقيدات الخارجية، وإلى ما يمر به الجنوب من مرحلة معقدة تتداخل فيها الرؤى وتتصادم أحيانًا بفعل تراكمات الصراعات والتجاذبات الحزبية والاصطفافات الجهوية والمناطقية. وفي هذا السياق لا يبرز مشروع الإقليمين (شرقي وغربي) كما كان يتم تداوله، بل مشاريع أقاليم على مستوى كل محافظة. وفي إطاره يُطرح أن تكون حضرموت والمهرة وسقطرى إقليمًا واحدًا، وهو ما يرفضه أبناء المهرة ويتمسكون بأن تكون المهرة وسقطرى إقليمًا مستقلًا، كما سيرفضه أبناء سقطرى أن تكون محافظتهم ضمن إقليم آخر. هذا ناهيك عن أن حضرموت تطالب بضم أجزاء من شبوة ضمن إقليمها، وهو ما لا يمكن أن تقبل به شبوة أيضًا.
وفي حال تبني تلك المشاريع، فإنها قد تستدعي ما كان قائمًا في عهد الاستعمار البريطاني من تقسيم إلى محميات شرقية ومحميات غربية، بما يشكل استدعاءً لمرحلة تجاوزها الزمن، ومحاولة للإضرار بالدولة الجنوبية، سواء بمسماها جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، أو جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي تم الدخول بها مشروع الوحدة عام 1990م، أو بمشروعية استعادتها طالما ظل مركزها ومقعدها الدولي قائمًا. وكل ما تحتاجه هو إعلان فك الارتباط استنادًا إلى مشروعية بيان فك الارتباط الذي أعلنه الرئيس علي سالم البيض أثناء حرب 1994م، وهو من دخل بدولة الجنوب الوحدة مع دولة الشمال كمشروع وطني وقومي، لا مشروع تبعية وضم وإلحاق ونهب واحتلال.
هذه الخصومة مع دولة الجنوب، كما ذُكر، غابت عنها تلك الأسانيد والمشروعية، بينما حضر مشروع استعادة “دولة الجنوب العربي”، وهو ما التقطته بعض المحافظات التي عانت من الإقصاء والتهميش، فبرزت مشاريع الأقاليم التي قد تفضي في خلاصتها إلى تجزئة الجنوب وتشطيره ودفن الدولة الجنوبية الواحدة وتمزيق نسيجه الجغرافي والاجتماعي.
وعلى أن استعادة دولة الجنوب العربي قد تبدو مقبولة لدى بعض الجهات الداعمة لمشاريع الأقاليم، خاصة وأن حضرموت والمهرة وسقطرى وأجزاء من شبوة لم تكن ضمن حكومة الجنوب العربي سابقًا، فقد ترى في ذلك ما يمنحها حق الأقاليم. وربما خارجيًا، وبحسابات المصالح، تبرز أهمية الشرق لما يتمتع به من ثروات نفطية وغازية ومناجم ذهب ومنافذ بحرية وإطلالة على بحر العرب.
وبقراءة المشهد الجنوبي الراهن، يتضح مدى ما كانت تمتلكه قيادة الجبهة القومية من نضج سياسي واستشراف مبكر، حين أسست أطرًا تنظيمية في كل مناطق الجنوب بقيادة مناضلين أفذاذ. فبريطانيا، عندما أسست كيان “الجنوب العربي” للمحميات الغربية دون الشرقية، كانت تسعى لتجزئة الجنوب ومنع قيام دولة موحدة، ولذلك لم تتفاعل الجبهة القومية مع دعوة تسليم الاستقلال في ظل وضع مجزأ. وحين حانت ساعة الصفر، بدأ إسقاط المناطق وصولًا إلى عدن، ثم التفاوض على الاستقلال وإعلانه في 30 نوفمبر 1967م، حيث تم تقسيم الدولة إلى ست محافظات ضمن كيان وطني واحد باسم جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، بحدود دولية من المهرة وسقطرى شرقًا إلى باب المندب غربًا، كدولة واحدة موحدة، وهي ذاتها جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي دخلت بها الوحدة عام 1990م.
ويأتي اليوم من يطرح استعادة “دولة الجنوب العربي”، رغم أن الجنوب لم يدخل الوحدة بهذا المسمى، وأن التمسك باسم الدولة التي دخلت الوحدة لا يحتاج لأكثر من إعلان فك الارتباط استنادًا إلى تلك المشروعية وإعلان الرئيس البيض للدولة أثناء حرب 1994م.
وختامًا، فإن من يقول كلمة حق في هذا المقام يؤيد ما أكدته عدن من تماسك ووحدة أبنائها، وتشديدها على مكانتها في المشاركة والتمثيل العادل في الحوار ومخرجاته، وتمكين أبنائها من الوصول إلى مواقع صنع القرار، بعدما حان وقت الإنصاف، وبما يحفظ للمدينة أهميتها الجيوسياسية ومكانتها كمركز للتعايش السلمي والمحبة والسلام وتعايش الأجناس والأديان، ورمزيتها كعاصمة تاريخية للجنوب ودولته، بعد عقود من الإقصاء والتهميش.
وبالعودة إلى آخر مستجدات الحوار، فقد تم تسليم الملف الجنوبي لقيادة شبوانية لإدارته، نظرًا لما يمكن أن تشكله شبوة من جسر للتواصل بين المحافظات وتقريب الرؤى والمشاريع نحو رؤية جنوبية واحدة، لكونها مقبولة ومحايدة في مختلف الأحداث.
الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، ولا ريب في ذلك.