آخر تحديث :الأربعاء - 11 فبراير 2026 - 06:01 م

كتابات واقلام


فجر الاستقلال الثاني: عندما تتجاوز الجماهير حسابات النخب

الأربعاء - 11 فبراير 2026 - الساعة 04:13 م

حافظ الشجيفي
بقلم: حافظ الشجيفي - ارشيف الكاتب


في قراءة المشهد الراهن فوق الجغرافيا الممتدة من باب المندب وصولا الى المهرة، يتبدى لنا بوضوح لا يداخله شك، وبمنطق التاريخ الذي لا يرحم، اننا امام حالة استعصاء سياسي ووجداني تتجاوز كل محاولات الالتفاف او التمييع التي جربتها قوى الاحتلال اليمني وحلفائها على مدار ثلاثة عقود مضت، اذ ان المسألة في حقيقتها لم تعد مجرد مطالب فئوية او احتجاجات عارضة، بل نحن امام ارادة شعب صاغ هويته من جديد وسط لهيب المعاناة، وقرر ان العودة الى ما قبل فجر الاستقلال الثاني هي ضرب من المستحيل، حيث نرى الجماهير الجنوبية اليوم وهي تملأ الميادين في حواضر المحافظات، لا لكي تسجل حضورا رمزيا، وانما لتبعث برسالة مضت عليها سنوات طوال وهي تزداد رسوخا وعنادا، مفادها ان الدولة الجنوبية واستعادة سيادتها الكاملة هي الثابت الوحيد في معادلة متغيرة، وان هذه المليونيات التي تتدفق في الساحات ليست الا قمة جبل الجليد لرفض قاطع وشامل لوجود الاحتلال اليمني بكل تمظهراته، وهي شواهد حية تنطق بلسان الحال قبل المقال بأن هذا الشعب الذي لم ينكسر امام آلة القمع ولم يلن امام سياسات التجويع والافقار،التي عانى منها على مدى سنوات طوال يمتلك من النفس الطويل ومن مخزون الصمود ما يجعله عصيا على الانكسار او التراجع ولو لخطوة واحدة الى الوراء.
فالمتأمل في مسيرة الثلاثين عاما الماضية يدرك ان الرهان على اصابة الانسان الجنوبي بالياس او الوهن كان رهانا خاسرا منذ البداية، فكلما زادت الضغوط واشتدت المؤامرات، وجدنا هذا الزخم الثوري يتجدد بوتيرة اشد حماسا، وكأننا امام ظاهرة فيزيائية تزداد فيها قوة الدفع كلما زادت قوة الاعتراض، فاليوم يبرز المواطن الجنوبي بوعي سياسي نافذ يدرك حجم التحديات ولكنه في المقابل يضع الوطن في كفة والروح في الكفة الاخرى، منحازا بملء ارادته لتراب ارضه، مؤمنا بأن الكرامة والسيادة لا تشترى بالاثمان بل تسقى بالدماء، وهو ما يجعلنا امام استعداد قتالي ونضالي يتخطى حدود التظاهر السلمي الى ما هو ابعد، اذ ان الالتزام بالسلمية حتى هذه اللحظة ليس نابعا من ضعف او قلة حيلة، بل هو اختبار اخير لضمير العالم وقواه الفاعلة لعلها تسمع هذا الصوت الهادر وتحترم الارادة الشعبية الواضحة، وهو في الوقت ذاته انتظار لخطوات اكثر جسارة وحسما من القيادة السياسية التي باتت مطالبة اليوم، واكثر من اي وقت مضى، بالارتقاء بالعمل الثوري الى مستويات تتناسب مع غطرسة المنطق الاحتلالي اليمني السعودي الذي يحاول كسب الوقت وتثبيت الامر الواقع عبر استنزاف الطاقات البشرية في فعاليات تكرارية لا تؤدي الى نتائج ملموسة على الارض.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى التي ينبغي التوقف عندها بكثير من الحذر، فاستمرار القيادة في دعوة الجماهير للتظاهر دون افق سياسي واضح او خطوات تصعيدية ميدانية تكسر جمود المشهد، قد يؤدي الى نتيجة كارثية تتمثل في استنزاف رصيد الثقة بين الشعب وقيادته، فالمظاهرات السلمية رغم اهميتها كأداة تعبير، الا انها وحدها لا تبني وطنا ولا تحقق استقلالا ناجزا اذا لم تقترن بفعل ثوري وعسكري وقانوني يفرض الحقائق على الارض، بل ان الغريب في الامر ان الاحتلال قد يجد في حصر الحراك الجنوبي في اطار المظاهرات مصلحة له، ليظهر امام العالم بصورة المتسامح بينما هو في الحقيقة يفرغ الثورة من محتواها الصدامي المؤثر ويحولها الى مجرد طقوس موسمية لا تقدم ولا تؤخر، وهو ما يضع المجلس الانتقالي امام مسؤولية تاريخية تحتم عليه تجاوز دور الداعي للفعاليات الجماهيرية الى دور القائد الذي يستخدم خياراته الثورية المتعددة لفرض واقع جديد، لان الصمت الطويل والتردد في اتخاذ القرارات المصيرية قد يحول القيادة في نظر الجماهير من ممثل للقضية الى طرف يساهم في اهدار تضحياتها، فالوطن الذي قدم قوافل الشهداء ولا يزال مستعدا لتقديم المزيد حتى آخر قطرة دم تسيل من جسد مواطن جنوبي حي، لا يمكن ان يقبل بانصاف الحلول او بضياع الوقت في سراب الوعود، فالحقيقة التي يجب ان يعيها الجميع ان شعب الجنوب قد حسم خياره بين الاستقلال او الموت، وما دون ذلك ليس الا تفاصيل في كتاب الثورة الذي لا يغلق الا بالنصر المبين.