آخر تحديث :الأحد - 15 فبراير 2026 - 08:28 م

كتابات واقلام


خذوا من الماضي محاسنه واتركوا سيئاته

الأحد - 15 فبراير 2026 - الساعة 06:14 م

صالح قحطان المحرمي
بقلم: صالح قحطان المحرمي - ارشيف الكاتب


في كل نقاشٍ عن الماضي، تتجلى أمامنا صورتان متناقضتان؛ فثمة من يتحدث عنه بجهل لأنه لم يعشه، أو ينظر إليه بعدسة سوداء لا ترى فيه إلا العثرات والإخفاقات. وفي المقابل، هناك من يكسوه بهالة من المثالية، فيبدو وكأنه زمنٌ وردي خالٍ من الأخطاء. وبين هذين الطرفين تضيع الحقيقة.

إن تقييم الماضي لا يصح أن يتم وفق معايير الحاضر وحده؛ فلكل مرحلةٍ تاريخية ظروفها السياسية والاقتصادية، وأفكارها السائدة، وتحالفاتها، ومفاهيمها التي تحكمها. لقد كان العالم، في حقبةٍ ليست ببعيدة، منقسماً بين معسكرين كبيرين، وكانت الساحة الفكرية مشبعة بصراعات الأيديولوجيا، وتأثير حركات التحرر، والقومية العربية، وأفكار الاشتراكية، وغيرها من التيارات التي رسمت ملامح تلك المرحلة. كان ذلك سياقاً مختلفاً تماماً عن سياق اليوم، ولا يمكن فهمه أو الحكم عليه بمعزل عن ظروفه.

غير أن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن نطرحه هو: إلى متى سنظل نجعل من الماضي شماعة نعلق عليها إخفاقات الحاضر؟ لقد كان لجيل الأمس ظروفه الخاصة، اجتهد فأصاب في مواضع وأخطأ في أخرى، وهذه سنة الحياة. لكن الإنصاف يقتضي أن نسأل: هل الجيل الذي تلاه قدّم أفضل مما قدموه؟ وهل استثمر ما أتيح له من فرص وإمكانات تفوق ما كان متاحاً في الماضي؟

الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أننا لا نملك إعادة تشكيل الماضي أو إعادة ترتيبه وفق أهوائنا. لا نستطيع أن نبدّل وقائعه أو نصحح أخطاءه بأثر رجعي. أقصى ما نستطيع فعله هو أن نقرأه قراءة أمينة، نأخذ من نجاحاته ما يعيننا، ونتجنب عثراته حتى لا تتكرر.

ليس من الحكمة أن نحاكم الأمس بعاطفةٍ مفرطة، لا بالتمجيد المطلق ولا بالرفض الكامل. فجيل الأمس، برغم أخطائه، كان له مشروع دولة واضح المعالم، وفي تجربته جوانب إيجابية لا يمكن إنكارها؛ من توحيد مناطق واسعة تحت سلطة دولة واحدة، وفرض النظام والقانون، وتحقيق قدر من الأمن، وتوفير التعليم والعلاج المجاني، واستقرار الأسعار لفترات طويلة وظل سعر الدولارثابت طوال فترةنظام الجنوب السابق . هذه حقائق تاريخية ينبغي الاعتراف بها ضمن سياقها، دون مبالغة أو تهوين.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعداد منجزات الماضي أو إخفاقاته، بل في الإجابة عن سؤال أكثر إلحاحاً: ماذا فعل جيل اليوم بإمكاناته الأكبر، وأدواته الأوسع، ومعرفته الأعمق؟ وكيف سيقيّم جيل الغد أداء هذا الجيل، في زمن تتوفر فيه من وسائل العلم والتقنية والاتصال ما لم يكن يخطر ببال الأجيال السابقة؟

إن الحاضر هو المساحة الوحيدة التي نملكها فعلياً. هو المجال الذي نستطيع أن نعمل فيه، وأن نصنع من خلاله مستقبلاً أفضل لأبنائنا وأحفادنا. أما الارتهان إلى ماضٍ لا نستطيع تغييره، والانشغال الدائم بتقليب صفحاته، فلن يغيّر من واقعنا شيئاً، ولن يبني لنا غداً أكثر استقراراً وازدهاراً.

خذوا من الماضي محاسنه واتركوا سيئاته. لا تجعلوه ساحة صراعٍ دائم، ولا أداة لتبرير التقصير، بل مدرسة نتعلم منها. فالأمم التي تحسن قراءة تاريخها هي الأقدر على صناعة مستقبلها، أما تلك التي تظل أسيرة الحنين أو الغضب، فإنها تدور في حلقة مفرغة.

الماضي تجربة، والحاضر مسؤولية، والمستقبل أمانة. وبين هذه الثلاثية يتحدد وعي الأمم، وتتجلى قدرتها على النهوض،،،،

عميد صالح قحطان المحرمي
15 فبراير 2026م