آخر تحديث :الأحد - 01 مارس 2026 - 01:17 ص

كتابات واقلام


حين ترتدّ النار إلى مُشعليها

السبت - 28 فبراير 2026 - الساعة 11:54 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


الصحفي صالح حقروص

على مدى أكثر من أربعين عامًا، قُدّم الصراع بين إيران وأمريكا وإسرائيل بوصفه مواجهةً مفتوحة لا تهدأ، عنوانها العداء وشعارها التهديد المتبادل. غير أن المتأمل في مسار الأحداث يلحظ أن كثيرًا من هذا الصراع ظلّ أسير الخطاب والإعلام، بينما كانت ميادينه الفعلية تُدار في جغرافيا عربية دفعت أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها ودماء أبنائها.
في تلك العقود، تمددت الأزمات، وتكاثرت الميليشيات، وتعمّقت الانقسامات، حتى بدا أن المنطقة تحوّلت إلى ساحة تصفية حسابات، لا إلى أطرافٍ أصيلة في معادلة القرار. وبينما ارتفعت شعارات المقاومة والمواجهة، كانت التفاهمات غير المعلنة وتقاطعات المصالح تصوغ واقعًا مختلفًا عمّا يُقال في العلن. هكذا، ظلّ العرب في كثير من المحطات يدفعون كلفة صراعات لا يملكون مفاتيحها كاملة.
واليوم، مع تغيّر الموازين وتبدّل الأولويات، يبدو أن قواعد اللعبة نفسها تعاد صياغتها. حين تنتهي صلاحية الأدوار، وتُستبدل الأوراق في موازين القوى، ينكشف أن السياسة لا تعرف صداقات دائمة ولا عداوات أبدية، بل مصالح متحركة. وما نشهده من تصعيد مباشر أو غير مباشر بين أطرافٍ طالما تبادلت الاتهامات، قد يكون انعكاسًا لتحوّل في حسابات الربح والخسارة، لا انقلابًا مفاجئًا في المبادئ.
غير أن الحقيقة الأعمق تبقى واحدة: من يزرع الفوضى يحصد اضطرابًا، ومن يغذّي نار الصراعات في محيطه، لا يملك ضمانًا بأنها لن تمتد إلى بيته. التاريخ القريب يعلّمنا أن أدوات النفوذ قد تنقلب إلى أعباء، وأن منطق الاستنزاف إذا طال أمده، يستهلك الجميع بلا استثناء.
ليست القضية في تبرئة طرفٍ أو إدانة آخر بقدر ما هي دعوة إلى قراءة أكثر واقعية لما جرى ويجري. فالمنطقة التي عانت من صراعات الوكالة والانقسامات الحادة، تحتاج اليوم إلى مشروع استقرار حقيقي، لا إلى إعادة إنتاج الخصومات بأسماء جديدة. أما الرهان على إدارة الفوضى أو توظيفها، فقد أثبت مرارًا أنه رهان قصير النظر.
في النهاية، قد تختلف الروايات حول طبيعة الصراع وحدوده، لكن المؤكد أن الخراب حين يُستباح في أرضٍ ما، لا يبقى محصورًا فيها. والنار التي تُشعل لإحراق الآخرين، كثيرًا ما تجد طريقها إلى مُشعليها.

الصحفي صالح حقروص
2026/2/28م