آخر تحديث :الثلاثاء - 07 أبريل 2026 - 11:01 م

كتابات واقلام


القتل خيار… ومبرراته سياسة

الثلاثاء - 07 أبريل 2026 - الساعة 09:30 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


طفي لحظةٍ ما، يقرر المواطن أن يخرج إلى الشارع. لا يحمل سلاحًا، ولا مشروع انقلاب، ولا حتى خطابًا ثوريًا مكتمل الأركان. يحمل فقط صوته… ذلك الصوت الذي ضاق به البيت، واختنق به الحي، ولم يعد يجد له مكانًا إلا في ساحة عامة. هنا تبدأ القصة: التظاهرات السلمية، بوصفها حقًا أصيلًا، لا منحةً من سلطة، ولا مزاجًا يخضع للتأويل.
لكن، في حضرموت — كما في غيرها من الجغرافيا المتعبة — يبدو أن هذا الصوت يُستقبل لا كحق، بل كتهديد. لا كرسالة، بل كتمرد. وهنا تحديدًا، تتحول الدولة من كيانٍ يفترض به الاحتواء، إلى جهازٍ يبحث عن مبررات… لا للإصغاء، بل لإسكات الصوت بأي ثمن.
التظاهرات السلمية ليست أزمة بحد ذاتها، بل مؤشرٌ على وجود أزمة. هي نتيجة، لا سبب. وحين تتعامل معها السلطة باعتبارها الخطر الأكبر، فإنها تقفز فوق جذور المشكلة لتشتبك مع أعراضها فقط. وهذا ما يجعل طريقة الاحتواء معيارًا حقيقيًا لمدى نضج الدولة: هل تمتلك أدوات سياسية تستوعب الغضب؟ أم أنها لا ترى في الشارع إلا ساحة مواجهة؟
في الدول التي تفهم نفسها، تُدار التظاهرات عبر قنوات متعددة: حوار، وساطة، استيعاب، وأحيانًا تنازلات. أما في الأنظمة التي تضيق ذرعًا بالصوت المختلف، فإن “الاحتواء” يتحول إلى مصطلح مخادع، يُترجم عمليًا إلى تطويق أمني، وفض بالقوة، وفتح بابٍ واسعٍ لممارسات لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف.
وهنا يبرز سؤال بسيط في ظاهره، عميق في معناه: أين قوات مكافحة الشغب؟
أين الوحدات التي يُفترض أنها خُلقت أصلًا لتفريق الحشود دون أن تُفرغها من الحياة؟
في العالم، لا يُترك التعامل مع المتظاهرين لوحدات قتالية، بل لقوات مدربة على “امتصاص الغضب” لا “إطلاقه”.
هناك سلّم واضح لأي تدخل مهني: إنذار، تفاوض، عزل بؤر التوتر، ثم استخدام وسائل غير قاتلة عند الضرورة. لا أحد يقفز من الهتاف إلى الرصاصة… إلا حين يغيب هذا السلّم، أو يتم تجاهله عمدًا.
فهل كانت الخيارات معدومة؟
أبدًا.
كان يمكن أن تُملأ الساحات بالغاز المسيل للدموع بدل الدخان المتصاعد من الرصاص.
كان يمكن لخراطيم المياه أن تفرق الحشود بدل أن تُفرقها الفاجعة.
كان يمكن للهراوات والدروع أن تدفع المتظاهرين إلى الخلف، لا أن تدفعهم إلى القبور.
بل حتى الوسائل الأقل فتكًا — رغم ما يحيط بها من جدل — تظل أقل كلفة من رصاصة لا تخطئ طريقها إلى النهاية.
لكن ما حدث يشيء بشيء آخر: أن المشكلة ليست في غياب الأدوات، بل في طبيعة القرار.
قرار يرى في التدرج ضعفًا، وفي الحكمة ترددًا، وفي الرصاص حسمًا سريعًا.
ما حدث في حضرموت مؤخرًا يطرح سؤالًا أكثر إيلامًا: كيف يمكن أن يتحول التعامل مع مواطن أعزل إلى فعلٍ مبرر؟ ومن أين تستمد السلطة شرعيتها حين تُلبس الرصاصة ثوب القانون؟
إن أخطر ما في مبررات القتل أنها لا تُقال بصيغتها الصريحة. لا أحد يخرج ليقول: “نعم، قررنا أن نقتل.” بل تُصاغ الحكاية بعناية: “حفظ الأمن”، “منع الفوضى”، “التصدي لأعمال شغب”. كلماتٌ تبدو منطقية في ظاهرها، لكنها تتحول في الميدان إلى رخصة مفتوحة لاستخدام القوة، دون مساءلة حقيقية.
المشكلة ليست فقط في الفعل، بل في العقل الذي يبرره. ذلك العقل الذي يرى في كل تجمع تهديدًا، وفي كل هتاف مؤامرة، وفي كل مطالب مشروعة مشروع فوضى قادم. عقلٌ لا يثق بالمجتمع، فيتعامل معه كخصم، لا كشريك.
والنتيجة؟ فجوة تتسع. دماء تُراق. وثقة تُدفن مع كل حادثة. فالدولة التي تواجه مواطنيها بالرصاص، لا تُعيد فرض هيبتها كما تظن، بل تُعيد تعريف نفسها كسلطة تخاف أكثر مما تحكم.
ثم يأتي السؤال الأكثر مرارة: هل كان يمكن تجنب كل هذا؟
الإجابة، ببساطة موجعة: نعم.
كان يمكن أن يُفتح باب حوار قبل أن يُفتح باب النار.
كان يمكن أن تُقرأ المطالب قبل أن تُكتب التقارير الأمنية.
كان يمكن أن يُنظر إلى المتظاهر كرسالة، لا كهدف.
لكن ما يحدث حين تغيب السياسة، أن الأمن يتضخم. وحين يتضخم الأمن، تضيق مساحة الحكمة، ويصبح الرصاص أسرع من الكلمة، وأسهل من الحل.
في بلدٍ يُفترض أن تُدار فيه الأزمات بالعقل، أصبح الرصاص أسرع من التفكير، وأسهل من الحل.
لا لأن البدائل غير موجودة… بل لأن الإرادة غائبة، أو ربما لا ترغب أصلًا في أن تكون موجودة.
حين تتحول أدوات الدولة من وسائل حماية إلى وسائل قمع، يفقد القانون معناه، وتتحول “السياسة” إلى مجرد غطاء أنيق لقرار خشن. قرار لا يُعلن نفسه بصراحة، لكنه يُنفّذ بدقة، ثم يُغسل لاحقًا بعبارات جاهزة، محفوظة، وبيان مكرر وهزيل حد الابتذال.
المأساة ليست في أن يسقط ضحايا… بل في أن يُعاد تفسير سقوطهم كضرورة.
أن يصبح الدم تفصيلًا، والتبرير هو العنوان.
أن يُقتل الصوت، ثم يُقال لنا: كان لابد من إسكات هذه الأصوات إلى الأبد.
وهنا، لا تعود القضية حادثة عابرة، ولا خطأً ميدانيًا يمكن تجاوزه، بل تتحول إلى نهج.
نهج يقول بوضوح لا يحتاج إلى بيان:
القتل خيار… ومبرراته سياسة.