آخر تحديث :السبت - 16 مايو 2026 - 03:51 م

كتابات واقلام


حين تتحول مكافحة السمسرة إلى اختبار حقيقي للدولة

السبت - 16 مايو 2026 - الساعة 03:01 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


في الدول التي تحترم مواطنيها، لا يُنظر إلى استخراج الجواز باعتباره “معركة” تحتاج إلى وساطة أو سمسار أو دفع مبالغ إضافية تحت الطاولة. الجواز وثيقة سيادية، وحق قانوني للمواطن، وأي عبث بهذا الحق يفتح الباب أمام انهيار الثقة بين الناس ومؤسسات الدولة.

منذ تعيين اللواء الدكتور طارق بن عمير النسي رئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية، لوحظ أن هناك حملة بدات ضد الفساد. تهدف إلى مكافحة السمسرة والابتزاز والتزوير وتأتي في إطار توجه حمل لغة حادة ورسائل مباشرة غير معتادة، لكنه في المقابل عبّر عن حجم المشكلة التي باتت تؤرق المواطنين يوميًا. فحين تصل المعاملات الرسمية إلى مرحلة يصبح فيها السمسار هو “البوابة الحقيقية” لإنجاز المعاملة، فإن الخلل لا يكون فرديًا، بل يتحول إلى ظاهرة تضرب هيبة النظام الإداري كله.
اللافت في التوجه الجديد وما اتخذ بشانه من خطوات أنه لم يكتفِ بالتحذير الأخلاقي، بل وضع المسؤولية بشكل مباشر على مدراء الفروع والمنافذ، وربط أي تجاوزات بإجراءات عقابية تصل إلى الإحالة للمحاكمة العسكرية والإقالة وإغلاق الفروع المخالفة. هذه اللغة تعكس إدراكًا رسميًا بأن الفساد الصغير ليس مسألة هامشية، بل بوابة لفقدان ثقة الناس بالدولة.
لكن السؤال الأهم: هل تكفي التهديدات وحدها؟
التجربة تقول إن محاربة السمسرة لا تنجح فقط عبر البيانات الصارمة أو الزيارات والنزول الميداني، بل عبر إصلاح البيئة التي تسمح بوجودها أصلًا. فحين تكون الإجراءات معقدة، والطوابير طويلة، والإنجاز بطيئًا، تنشأ سوق موازية تستغل حاجة المواطن ووقته ومعاناته. السمسار لا يظهر من الفراغ، بل يتغذى على الثغرات الإدارية وضعف الرقابة وأحيانًا على تواطؤ بعض الموظفين.
ومن هنا، فإن النجاح الحقيقي لأي حملة ضد الفساد يبدأ من تبسيط الإجراءات، وإعلان الرسوم بوضوح، وتفعيل الشكاوى، وحماية المواطنين من الابتزاز، والأهم خلق نموذج لموظف الدولة الذي يخدم الناس بالقانون لا بالمزاج أو النفوذ.
المواطن اليوم لا يريد خطابات غاضبة فقط، بل يريد أن يذهب إلى مصلحة الجوازات وهو يعرف مسبقًا كم سيدفع، ومتى سيستلم جوازه، ومن المسؤول إذا تعرض للابتزاز. يريد مؤسسة تعمل بالنظام، لا بالعلاقات الشخصية.
التوجه الأخير وما صاحبه من حزمة من الإجراءات الصارمة التي تم اتخذها لمكافحة حالات التزوير والابتزاز والسمسره قد يكون خطوة مهمة إذا تحول من مجرد تحذير إلى سياسة مستمرة لا تستثني أحدًا. أما إذا بقي حبرًا على ورق ومجرد زيارات ونزول لجان إلى فروع الجوازات وكلام منشور في وسائل الإعلام، فإن السماسرة سيعودون بأسماء جديدة وأساليب جديدة، وسيبقى المواطن وحده من يدفع الثمن.
هي معركة ليست ضد السمسار فقط، بل ضد الفوضى التي صنعت له مكانًا داخل مؤسسات يفترض أنها وُجدت لخدمة الناس لا لاستنزافهم.