آخر تحديث :السبت - 30 مايو 2026 - 03:35 م

كتابات واقلام


القبيلة بين المجد الغابر والشتات الراهن هل لا يزال للدرع مفعول ؟

السبت - 30 مايو 2026 - الساعة 03:24 م

عيدروس صلاح المدوري
بقلم: عيدروس صلاح المدوري - ارشيف الكاتب


لطالما كانت القبيلة في وجداننا الجمعي صمام أمان وملاذاً أخلاقياً يرتدع أمامه كل من تسول له نفسه العبث بالقيم أو ارتكاب الكوارث الأخلاقية والاجتماعية كانت كياناً يقوم على العرف الذي لا يقل هيبة عن القانون بل يسبقه في حماية المجتمع وبالرغم ان هناك سلبيات للقبيلة لا احد يستطيع ان ينكرها لكنها ضئيلة جداً وهذا هي القاعدة حتى القوانين لها سلبياتها لكن وبالنظر إلى تحولاتنا التاريخية نجد أن القبيلة تعرضت لعملية تفريغ ممنهجة :
جاء حكم الحزب الاشتراكي ليُحجّم دور القبيلة وفي تلك المرحلة شهدنا استقراراً مؤسسياً لكنه استقرار جاء على حساب تآكل الهوية الاجتماعية القبلية التقليدية .
وبعد الوحدة المشؤومة عادة القبيلة ولكن لم تعد القبيلة لتلعب دور الرادع بل تحولت في كثير من مفاصلها إلى بضاعة في سوق السياسة حيث اختزل المشايخ دورهم في التسول الراقي على أعتاب السلطة محولين القبيلة من حصن للقيم إلى أداة للمصالح الضيقة .
أما بعد عام 2015 فبدلاً من أن تستعيد القبيلة وهجها الوطني كجدار صد أمام الانهيار ظلت حبيسة أدوارها الهامشية التي أُسست في عهد عفاش متفرجة على تآكل الدولة والمجتمع معاً واصبحت تمارس نفس دورها ايام عفاش ولكن بصور مختلفة اما تحت بند الوطنية او بند المعارضة .
السؤال الجوهري اليوم هل قدرنا أن تظل القبيلة في هذا الانحطاط الوظيفي ؟
إن القبيلة لن تستعيد عافيتها إلا إذا تخلصت من عقلية التسول وعادت لمفهومها الأصيل لا لتكون بديلاً عن القانون بل لتكون الرديف الأخلاقي له والحصن الرادع الذي يحمي المجتمع من الانفلات
القبيلة التي لا تحمي قيمها ولا تضع حداً للفساد الأخلاقي والاجتماعي في محيطها هي قبيلة فقدت مبرر وجودها نحن اليوم لا نحتاج إلى مشايخ يلهثون خلف المناصب بل نحتاج إلى حكماء يعيدون الاعتبار للقيم ويكونون سنداً حقيقياً لدولة القانون لا عبئاً عليها .
إما أن تعود القبيلة بوعيها التاريخي وبُعدها الأخلاقي كصمام أمان أو أنها ستظل مجرد ديكور مستهلك في متاحف التاريخ السياسي المهترئ .
ومع هذه القراءة المشوبة بالألم لواقع القبيلة تبرز اليوم ومضة أمل تستوجب التوقف عندها إن ظهور سلطاني يافع في المشهد بما يحملونه من سمات الجيل الشاب الواعي والمثقف يفتح نافذة لرهان جديد إننا أمام جيل لا يرى في القبيلة مغنماً أو وسيلة تسول بل يراها مشروعاً حضارياً وقيمة اجتماعية هؤلاء الشباب يعيدون تعريف الشيخ والسلطان ليس بصفته صوتاً في ميزان السياسة بل بصفته قائداً مجتمعياً يمتلك الأدوات المعرفية والعصرية للتعامل مع تحديات الدولة والمدنية .
نحن نأمل بل ننتظر أن يكون هذا الحضور الشبابي هو المحفز لعودة القبيلة إلى مربعها الذهبي درعاً حصيناً وسنداً أخلاقياً وعماداً للتنمية عودة لا تنافس القانون بل تسنده ولا تقفز فوق الدولة بل تبنيها بمبادئ النزاهة والعدالة التي افتقدناها طويلاً .
إذا نجحت هذه القيادات الشابة في تحويل الموروث القبلي العريق إلى طاقة بناء وتنوير فسنكون أمام نموذج فريد يجمع بين أصالة القبيلة و حداثة الدولة وهو الطريق الوحيد الذي يمكنه انتشال مجتمعنا من وهدته وإعادة الاعتبار لقيمنا التي كادت تندثر .
إن الرهان على وعي هذه النخب القبلية الشابة هو رهان على المستقبل فإما أن نرى يافع كنموذج رائد في التغيير الإيجابي أو أن تبقى القبيلة مجرد ذكرى عابرة في دفاتر التاريخ .