آخر تحديث :الأحد - 31 مايو 2026 - 10:09 ص

كتابات واقلام


لستُ محامي أحد

الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 09:34 ص

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


علي محمد سيقلي


في هذا البلد الكمين، يكفي أن تصمت عن معركة لا تخصك حتى تُتَّهم بأنك تقف في صف العدو، ويكفي أن ترفض الشتيمة الجماعية حتى تُصنَّف فجأة ضمن “الطابور الآخر”.
هكذا ببساطة، تحوّل الرأي العام عند البعض إلى محكمة ميدانية، لا تعترف بالحياد، ولا تؤمن بأن الإنسان قد يختلف دون أن يحمل خنجراً خلف ظهره.
أما أنا، فلا أملك هذا الشغف العجيب بتقديس وعبادة الأشخاص.
لم أتعلم يومًا أن أعلّق عقلي على كتف أحد، ولا أن أوزّع صكوك البراءة والإدانة بحسب المزاج السياسي السائد.
أكتب فقط ما أراه، وما يبدو لي من زاويتي الخاصة، وقد أصيب وقد أخطئ، لكنني على الأقل لا أرتدي ثوب العصمة، ولا أتاجر بالفضيلة، ولا أطالب متابعي أن يصفقوا لكل كلمة أقولها وكأنها نص منزل.

البعض يريد منك أن تكون جنديًا دائمًا في معاركه.
إن انتقدت شخصًا قالوا: “أخيرًا ظهر الحق”.
وإن أنصفتَه في موقف آخر قالوا: “سقط القناع”.
وإن صمت عن الكلام المباح قالوا "غير الشريحة"
وكأن المطلوب من الكاتب أن يتحول إلى بندقية تعمل بالأجر اليومي، لا إلى إنسان يرى المشهد بألوانه كلها.
ولأنني لا أؤمن بفكرة “المعصوم السياسي”، فأنا لا أملك رفاهية الدفاع الأعمى عن أي مخلوق كان، ولا حماسة الاصطفاف خلف الأشخاص مهما كانت أسماؤهم كبيرة أو لامعة أو محاطة بالهتافات.

الأشخاص يتغيرون، والمواقف تتبدل، أما الكلمة فتبقى شاهدة على صاحبها، ولهذا أحاول — قدر استطاعتي — ألا أبيع قلمي في سوق المناكفات اليومية.
وسنوات طويلة من الكتابة مرت فوق رأسي الأقرع… بعدد شعرات شواربي البيضاء، مخصومًا منها “السكسوكة” حفاظًا على الدقة التاريخية، ومع ذلك لم يتجاوز عدد متابعيني ثمانية آلاف شخص ما بين ذكر وأنثى وما بينهما.
وهذا وحده كافٍ ليؤكد أنني لم أكن يومًا تاجر كلمة، ولا صاحب مزرعة إلكترونية، ولا محترف توزيع منشورات على حساب الكرامة والمنطق.
في زمن يستطيع فيه أي شخص أن يجمع عشرات الآلاف من المتابعين بالصراخ أكثر، أو بالشتم أكثر، أو بتحويل الوطنية إلى عرض يومي مفتوح، يبدو الرقم الذي أملكه شهادة متواضعة بأني كنت ولا زلت أكتب لأنني أريد أن أقول شيئًا… لا لأنني أريد فقط أن أُشتهر.
أما القضايا التي تصل إلى النيابة والمحاكم، فهي ليست جلسات “فيسبوك لايف” حتى يتسابق الجميع لإصدار الأحكام قبل القاضي.

هناك من يتعامل مع أي قضية وكأنه وكيل النيابة، والقاضي، والشاهد، وخبير البصمات في وقت واحد.
بينما الحقيقة أبسط من ذلك:
لسنا مخولين أن نفتي في مصائر الناس، لا بالنفي المطلق ولا بالإدانة المطلقة، طالما أن الأمر ما يزال في يد القانون.
لكننا — مع الأسف — أصبحنا نعيش في زمن تُدار فيه العدالة عبر “المنشورات”، ويُقاس الحق بعدد المشاركات والتعليقات السخيفة، لا بالأدلة والوقائع.
حتى صار البعض يعتقد أن رفع مستوى التهم الجاهزة أعلى من الحقيقة نفسها.

وأنا هنا لا أدّعي الكمال.
فكلنا نخطئ، وكلنا نندفع أحيانًا، وقد نكتب لحظة غضب أو سوء تقدير أو تحت تأثير خيبة ما.
لكن الفرق الحقيقي ليس في من يخطئ ومن لا يخطئ، بل فيمن يحاول أن يبقى صادقًا مع نفسه، دون ادعاء بطولة، ودون أن يتحول إلى نسخة مكررة من الآخرين.
لهذا، لا تبحثوا كثيرًا عن موقفي داخل معسكرات الناس.
أنا لست ناطقًا باسم أحد، ولا محامي دفاع عن أحد، ولا أملك شركة خاصة لتوزيع الوطنية والخيانة على المارة.
أنا مجرد شخص بسيط يحاول أن يرى المشهد كما هو، لا كما يريد له باص النقل الجماعي أن يكون.

وفي زمن أصبح فيه التفكير المستقل تهمة، يبدو أن أبسط أشكال الشجاعة اليوم…
أن تقول:
“هذا رأيي فقط، وليس بالضرورة أن يعجب أحدًا.”