آخر تحديث :السبت - 06 يونيو 2026 - 12:22 ص

كتابات واقلام


الهندسة والفرز الاستراتيجي للمشهد

الجمعة - 05 يونيو 2026 - الساعة 11:48 م

بسام أحمد عبدالله
بقلم: بسام أحمد عبدالله - ارشيف الكاتب


يمر المشهد السياسي والعسكري في الجنوب بمرحلة مخاض عسير يراها الكثير من المراقبين السطحيين على أنها حالة تراجع أو تفكك في بنيان المجلس الانتقالي الجنوبي مدفوعين بموجات التراشق الإعلامي المكثف والتحركات الميدانية الموحية بالخلاف ..

إلا أنه وكما أعتقد وبالاستناد الى المعطيات الراهنة ووفق التحليلات المنطقية العميقة والقراءة الفاحصة لما وراء الكواليس تكشف عن مسار مغاير تماماً مسار تحكمه تفاهمات استراتيجية كبرى بين الأطراف الفاعلة (الانتقالي و المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة) وونعتقد انه يهدف الى اعادة ترتيب الأوراق السياسية والميدانية وتأسيس الركائز الصلبة لإدارة المرحلة القادمة ..

ومن واقع تتبعنا الحثيث ورصدنا لما يشهده الفضاء الإعلامي والسياسي من تجاذبات يرى البعض ويتضح لنا في آن واحد أنها ليست سوى غطاء تكتيكي لعملية فرز سياسي وعسكري واسعة النطاق فالوقائع على الأرض تثبت أن التحالفات العميقة لا تزال راسخة حيث لم تمس هذه التحركات القوة الصلبة للمجلس الانتقالي فلا قوتنا العسكرية ولا عتادنا ولا حتى القيادات المحورية جرى استهدافها أو تحجيمها الفعلي ..

وفي تقديرنا الاستراتيجي وقراءتنا للشأن الإقليمي يستشف بوضوح ان هذا الايقاع المدروس يخدم أهداف استراتيجية بعيدة المدى تسعى من خلالها القوى الإقليمية الشريكة وكما يرى بعض المتابعين والمراقبين الى اتاحة المجال لعملية غربلة داخلية حتمية كانت صعبة الحدوث في أجواء الاستقرار السطحي ..

ونرى بوضوح أيضا من خلال هذه المتابعة أن هذا التراشق الإعلامي الظاهري مع المملكة العربية السعودية يهدف بذكاء الى رفع الحرج عن الرياض أمام جيرانها الشماليين ليظهرها بمظهر المتمسك بالوحدة اليمنية المقبورة حرص على التزاماتها بينما الواقع الحقيقي الذي نلمسه ونؤمن به هو أن الأمر لم يعد بيد المملكة ولا غيرها بل انها هي من ساهمت في خلق هذا الواقع ولكن المواطن في الشمال في الاخير سيصل لقناعة ان من أضاع الوحدة ودفنها هي قوى النفوذ الشمالية نفسها من نظام عفاش وآل الأحمر وصولاً الى الحوثيين الذين أسقطوا الدولة برمتها وليست المملكة التي تظهر أمامهم بأنها لم تقصر وحاولت ثني الجنوبيين ..

ويقودنا التحليل المنطقي هنا الى الاستنتاج بأن استعادة الجنوب لدولته باتت مصلحة إستراتيجية عليا لمنظومة العمل الخليجي والعربي ككل خصوصاً وأن الجيش الجنوبي المتماسك اليوم هو جيش ذو عقيدة سنية سلفية واضحة تحت قيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي ما يجعله صمام أمان حقيقي للمنطقة في مواجهة المشاريع الدخيلة ..

ان هذا التكتيك فتح الباب أيضاً أمام عملية غربلة كبرى فالمحك الحقيقي للمكونات السياسية والقيادات يظهر دائماً في المنعطفات الحادة ومن هذا المنطلق نجد في قراءتنا المشهودة أن هذه المرحلة جاءت لتكشف بوضوح عن معادن الرجال ومستوى الولاء للمشروع الوطني الجنوبي ..

ان من تسرعوا بالقفز من سفينة الانتقالي أو توهموا أن عاصفة التباينات قد تعصف بالمجلس سقطوا في فخ الاستعجال السياسي وباتت كل تحركاتهم وخياناتهم في الغرف المغلقة سواء في الرياض أو عدن مرصودة وموثقة ..

وفي ضوء هذا التتبع الدقيق فإن هذه المرحلة لا تصنف كتراجع للمجلس بل هي مرحلة التخلص من الولاءات المزدوجة والعبء السياسي التنظيمي الذي تراكم عبر السنوات فالانتقالي كمشروع وطني جامع باقي ويتمدد بينما الرهانات الخاسرة لبعض الأفراد والارتباطات المشبوهة ببقايا الارث الحراكي المصلحي أو التوجهات والامتدادات الحزبية للأحزاب اليمنية التقليدية كالمؤتمر والاشتراكي ذات الأجندات التي لا تخدم القضية كلها باتت تلفظ أنفاسها الأخيرة داخل بنية المؤسسات وإدارات القرار في الجنوب ..

ويتوازى ذلك مع عملية هيكلة الأمن والجيش الحاصلة حالياً والتي كانت تواجه بمقاومة وعراقيل في الفترات السابقة لتفرض اليوم كأمر واقع وبأدوات ومحددات جديدة تضمن الانضباط والولاء حيث يتبين لنا ولدى الكثير من المحللين أن هذا التنظيم الدقيق للمؤسسة العسكرية والأمنية يهدف بالأساس الى قطع الطريق على الأطراف التي حاولت ولا تزال تحاول الالتفاف على المشروع الوطني وشق صف الكيان الجامع داخليا لا سيما أولئك الذين يمارسون سياسة البيع والشراء السياسي ويميلون حيثما مالت مصالحهم الضيقة مع قوى عفاش أو الأحزاب اليمنية مما يستوجب الحذر التام منهم وعدم الثقة المطلقة في تحركاتهم حتى وإن أظهروا الصمود ..

ان خلاصة قراءتنا ومتابعتنا لهذا الصمود ولهذه الهندسة السياسية الدقيقة تتلخص في حقيقة واحدة وهي ان الرئيس عيدروس الزُبيدي راجع والعودة هذه المرة لن تكون على رأس مكون سياسي بل على رأس حكومة ومؤسسات دولة حقيقية وفي هذا المنعطف التاريخي لن يجد مكان في قاطرة المستقبل إلا الصامدون الثابتون الذين أثبتوا ولاءهم المطلق للأرض والقضية والقيادة في أحلك الظروف اما النخب الانتهازية والمترددون فسيكونون حتماً خارج الحسابات.

بقلم/ بسام أحمد عبد الله
كاتب ومحلل سياسي
4 يونيو2026م