آخر تحديث :الإثنين - 08 يونيو 2026 - 07:46 م

كتابات واقلام


بين جحيم الحر والوعود الزائفة عندما تصبح الشرعية عبئاً على الشعب

الإثنين - 08 يونيو 2026 - الساعة 06:36 م

عيدروس صلاح المدوري
بقلم: عيدروس صلاح المدوري - ارشيف الكاتب


ليس هناك ما هو أشد إيلاماً على النفس من أن يرى المواطن ثمار تضحياته ودماء شهدائه وآمال أجياله وهي تُساق لقمة سائغة في موايد لصوص الفنادق . في عدن وفي عموم المحافظات الجنوبية لم يعد السؤال اليوم ترفاً فكرياً أو مناكفة سياسية بل هو صرخة وجودية تتردد في الشوارع المظلمة والمنازل التي تحولت إلى أفران بشرية هل هناك جريمة أكبر مما تقترفه هذه المنظومة بحق شعب بأكمله ؟
إن ما يحدث اليوم يتجاوز حدود الفشل الإداري أو العجز الاقتصادي إنه يرتقي إلى مرتبة الجريمة الممنهجة مع سبق الإصرار والترصد .
بينما يكتوي المواطن البسيط بنيران الصيف اللاهب في عدن حيث تنقطع الكهرباء لساعات طويلة واحيانا اليوم بكله وتتحول أبسط مقومات الحياة إلى أمنيات بعيدة المنال يعيش مسؤولو هذه الشرعية وحواشيهم في عالم موازٍ عالم محصن بالتكييف المركزي وممول بـ مخصصات الإعاشة والنثريات الضخمة بالعملة الصعبة .
المواطن يطحن بين فكي رحى جوع كافر ينهش الأمعاء جراء انهيار العملة والغلاء الفاحش وحر قاتل يسلب الأجساد طاقتها وصحتها.
المسؤول يتنقل بين العواصم يتقاسم المناصب والامتيازات ويحمل صفة رجل دولة في العلن بينما يمارس دور الجابي في الخفاء .
أي مفارقة تاريخية هذه التي تجعل من ثورات هذا الشعب العظيم الذي انتفض رفضاً للظلم والتبعية مجرد أوراق تفاوضية ومكاسب شخصية لشرذمة اتخذت من الفنادق مقراً لإدارة معاناة الناس ؟
إن الجريمة الكبرى لا تكمن فقط في سرقة المال العام أو الفساد المالي بل في سرقة الأمل . لقد قدم الجنوب قوافل من الشهداء والجرحى في سبيل العزة والكرامة واستعادة القرار ليجد نفسه اليوم محكوماً بمنظومة لا ترى في هذه التضحيات إلا سلماً للصعود ومبرراً للاسترزاق باسم المعاناة .
تحولت الوعود بالإصلاح البيرقراطي ومكافحة الفساد إلى أكذوبة كبرى تزداد وضوحاً مع كل جرعة سعرية جديدة ومع كل انهيار مستمر للخدمات الأساسية لم يعد هناك مجال لتبرير هذا العبث فالصمت عن هذه الممارسات هو شراكة في الجريمة .
إن السلطة التي لا تستطيع توفير شربة ماء باردة أو ساعة كهرباء أو رغيف خبز بكرامة لشعبها هي سلطة سقطت مشروعيتها الأخلاقية والوطنية وإن تدثرت بألف غطاء دولي .
إن الشعوب الحية قد تصبر على الضيق والكفاف إذا رأت قيادتها تقاسمها ذات المعاناة لكنها لن تغفر أبداً لمن يعيش على حساب دموعها وآلامها إن طاقة الاحتمال لدى المواطن في عدن والجنوب قد بلغت مداها والرهان على استمرار هذا الصمت هو رهان خاسر .
لقد حان الوقت لتعرية هذا الواقع بلا مواربة فالقلم الذي لا يكتب عن أنين الجياع في ظلمات الحر هو قلم فاقد للهوية والضمير .