آخر تحديث :الخميس - 02 يوليو 2026 - 09:57 م

كتابات واقلام


حلالٌ عليهم... وحرامٌ على غيرهم

الخميس - 02 يوليو 2026 - الساعة 09:08 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


في السياسة، ليست المشكلة أن تختلف الدول في قراراتها، بل أن تختلف في معاييرها. فما يُعد حقًا سياديًا عندما تمارسه دولة، قد يتحول إلى تهمة جاهزة إذا صدر عن غيرها. ومن هنا تبدأ أزمة ازدواجية المعايير.
هذه هي الإشكالية التي يثيرها الجدل كلما طُرح ملف العلاقات مع إسرائيل في المنطقة. فبدلًا من مناقشة الفكرة أو الموقف بمعيار واحد، كثيرًا ما ينصرف الجدل إلى هوية صاحب التصريح، وكأن المشروعية تُقاس بالأشخاص لا بالمبادئ.
وفي هذا السياق، أُثيرت ضجة واسعة حول التصريح المنسوب إلى اللواء عيدروس الزبيدي، حين قال إن الجنوب سيكون مع أي توجه عربي جماعي نحو السلام مع إسرائيل. لم يكن التصريح – في جوهره – إعلانًا لاتفاق منفرد، بل ربط الموقف بتوافق عربي شامل. ومع ذلك، قوبل بانتقادات حادة، في حين أن مواقف واتصالات أُعلن عنها أو نُسبت إلى أطراف عربية أخرى لم تُقابل بالقدر ذاته من الاعتراض.
وهنا يبرز السؤال: هل المشكلة في الموقف نفسه، أم في هوية من يتبناه؟ فإذا كان المعيار هو رفض أي تقارب مع إسرائيل من حيث المبدأ، فمن الطبيعي أن يُطبَّق هذا المبدأ على الجميع بلا استثناء. أما إذا كان الأمر يدخل في إطار القرارات السيادية التي تتخذها الدول وفقًا لمصالحها وتقديراتها، فمن غير المنطقي أن يُمنح هذا الحق لطرف ويُحجب عن آخر.
إن السياسة لا تُدار بالعواطف، بل بالمصالح، والدول تُعيد صياغة سياساتها الخارجية وفقًا لما تراه محققًا لأمنها ومصالحها الوطنية. وهذا حق سيادي لا يختلف عليه أحد، سواء اتفق الآخرون مع تلك الخيارات أم اختلفوا معها. لكن العدالة السياسية تقتضي أن تكون المعايير واحدة، لا أن تتبدل بتبدل الأسماء والجهات.
لقد شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة في طبيعة العلاقات الإقليمية، وخرجت ملفات كانت تُدار بعيدًا عن الأضواء إلى العلن. ولذلك، فإن النقاش المسؤول ينبغي أن ينصرف إلى ثبات المبادئ واتساق المواقف، لا إلى انتقاء الخصوم أو الحلفاء وفقًا لاعتبارات سياسية آنية.
القضية ليست دفاعًا عن تصريح بعينه، ولا اعتراضًا على حق أي دولة في رسم سياساتها الخارجية، وإنما هي دعوة إلى احترام معيار واحد في الحكم على المواقف. فالمبادئ لا تكتسب مشروعيتها من هوية قائلها، وإنما من اتساقها وعدالتها.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن أن يكتسب أي خطاب سياسي احترام الرأي العام إذا بُني على قاعدة "حلالٌ عليهم... وحرامٌ على غيرهم". فازدواجية المعايير قد تحقق مكاسب ظرفية، لكنها تُفقد الخطاب السياسي مصداقيته، وتُحول المبادئ إلى أدوات انتقائية تُستخدم بحسب حجم الدول، والظروف، لا بحسب ثبات القيم وعدالة المواقف.

الخميس الموافق 2 يوليو 2026