آخر تحديث :الخميس - 02 يوليو 2026 - 04:39 م

كتابات واقلام


حوج... بوابة سرار إلى طريق التنمية وكسر العزلة

الخميس - 02 يوليو 2026 - الساعة 03:52 م

د.حسين الملعسي
بقلم: د.حسين الملعسي - ارشيف الكاتب


ظل الطريق في يافع، وفي مديرية سرار على وجه الخصوص، حلماً يراود الأجيال عبر الازمان. كان حلماً بالخروج من العزلة، وفتح آفاق التنمية، وربط الإنسان بأرضه ووطنه. واليوم، ومع وصول مشروع طريق باتيس – رصد – معربان إلى سرار، بدأت ملامح هذا الحلم تتحول إلى واقع، لتنتقل المديرية من حالة للعزلة إلى بوابة للأمل والانفتاح والتنمية.
لقد فرضت الطبيعة الجبلية الوعرة على سرار، وعلى منطقة حوج على وجه الخصوص، تحديات استثنائية عبر الزمن. فالمنطقة تقع في قلب تضاريس شديدة الوعورة، تتخللها المنحدرات الحادة، والشعاب العميقة، والمرتفعات الصخرية، الأمر الذي جعل التنقل مهمة شاقة، وأبطأ وصول الخدمات الأساسية وفرص التنمية. ومع ذلك، لم تكن تلك الجبال يوماً عائقاً أمام إرادة الإنسان، بل كانت شاهداً على صموده وقدرته على التحدي والعمل والبناء.
وتكتسب مديرية سرار أهمية خاصة على مسار طريق باتيس – رصد – معربان، كونها تمثل إحدى المحطات الرئيسة في هذا المشروع الاستراتيجي الذي يربط المرتفعات الجبلية بالسهل الساحلي، ويختصر سنوات طويلة من المعاناة التي عاشها السكان. كما أن موقعها الجغرافي يجعلها نقطة عبور مهمة تربط مناطق يافع بمحافظة أبين، وهو ما يمنحها مستقبلاً دوراً محورياً في تنشيط الحركة الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز الترابط بين المناطق.
وعلى الرغم من وعورة الأرض وقسوة الظروف، ظل أبناء سرار يعتمدون على الزراعة وتربية الثروة الحيوانية كمصدر رئيسي للرزق. وشكلت المدرجات الزراعية الممتدة على سفوح الجبال دليلاً حياً على ارتباط الإنسان بأرضه، وقدرته على تطويع الطبيعة والاستفادة من مواردها. كما أسهمت تحويلات المغتربين في دعم الاقتصاد المحلي، وتحسين مستوى معيشة الأسر، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية.
غير أن ما يميز هذه المرحلة ليس الطريق وحده، بل الروح المجتمعية التي رافقت إنجازه. فقد قدم أبناء سرار نموذجاً مشرفاً في التعاون والتضحية من أجل المصلحة العامة. ولعل أبناء منطقة حوج كانوا المثال الأبرز في ذلك، إذ تنازل كثير منهم عن أجزاء من أراضيهم وممتلكاتهم، وقبلوا بإزالة بعض المنشآت والعوائق الواقعة في مسار الطريق، إيماناً منهم بأن التنمية الحقيقية قد تتطلب تضحيات فردية تحقق مكاسب جماعية تعود بالنفع على الجميع.
ولم يقتصر هذا التعاون على حوج وحدها، بل امتد على طول مسار الطريق، حيث أظهر أبناء القرى والمناطق المختلفة روحاً عالية من المسؤولية والتكاتف، وأسهموا في تذليل الصعوبات أمام تنفيذ المشروع. وقد أدرك الجميع أن الطريق ليس مجرد شق في الصخور، بل شريان حياة يحمل معه فرص التنمية، ويحسن الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، ويعزز التواصل الإنساني والاجتماعي بين أبناء المنطقة.
إن المشهد اليوم في حوج، وعلى امتداد الطريق داخل مديرية سرار، يختلف كثيراً عما كان عليه بالأمس. فقد أصبح صوت المعدات وهي تشق الجبال رمزاً لميلاد مرحلة جديدة، وتحولت الطرق التي كانت حلماً بعيد المنال إلى واقع يتشكل يوماً بعد آخر. ومع كل متر جديد يُنجز، تتراجع سنوات العزلة، وتكبر آمال السكان بمستقبل أكثر ازدهاراً واستقراراً.
ومن المتوقع أن يسهم هذا الطريق في تنشيط الحركة التجارية، وخفض تكاليف النقل، وتسهيل وصول المنتجات إلى الأسواق، وتحسين وصول الخدمات الأساسية إلى السكان، وتيسير انتقال المواطنين إلى المدن والمراكز الخدمية، فضلاً عن فتح آفاق جديدة للتجارة والسياحة الريفية والخدمات المختلفة.
إن قصة حوج ودورها في تسهيل شق الطريق ليست مجرد قصة مشروع طرق، بل هي قصة إرادة جماعية انتصرت على صعوبة الجغرافيا، وقصة مجتمع آمن بأن المستقبل لا يصنعه الانتظار، وإنما تصنعه المبادرة والعمل والتضحية. واليوم تقف حوج، ومعها مديرية سرار، على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، تنتقل فيها من هامش العزلة إلى قلب التنمية، ومن صعوبة الوصول إلى رحابة الانفتاح، لتصبح طريق باتيس – رصد – معربان طريقاً للأمل، وجسراً يربط الإنسان بمستقبله.