آخر تحديث :الإثنين - 13 يوليو 2026 - 04:05 م

كتابات واقلام


العلاقة المعقّدة بين العدالة وصخب الرأي العام!

الإثنين - 13 يوليو 2026 - الساعة 03:00 م

المستشار صالح المرفدي
بقلم: المستشار صالح المرفدي - ارشيف الكاتب


حينما تصل أي قضية مثيرة للجدل المجتمعي إلى أروقة المحاكم، تكون غالبًا قد مرَّت عبر مستويات متعددة من اللغط الإعلامي والتداول الاجتماعي، الأمر الذي قد تكتسب معها معاني إضافية، تنفتح على تأويلات متباينة، وتمتزج بطبقات من الشائعة والانفعال والحكم المسبق.. ومن هنا، تأتي الوظيفة التمحيصية للقضاء؛ إذ لا يتعامل مع الواقعة الملتهبة، بل يعمل على تجريدها مما أحاط بها من شائعات وأحكام مسبقة، وإعادة بنائها داخل إطار محدد من الأدلة وقواعد الإثبات.

ومن هذا المنطلق، تنشأ مفارقة لافتة، فكلما أزدادت سرعة تداول الروايات في المجال العام، أزدادت حاجة وحرص القضاء إلى التثبت والتدقيق.. فالقضاء لا يلاحق سرعة الحدث، بل يعيده إلى مسار الفحص والمراجعة، ويواجه الأحكام المتعجلة بضمانات الإجراءات القانونية السليمة.. وهذا ما يفسر أهمية إستقلال القضاء عن التأثير والضغوط التي تنشأ في المجال العام، هذا الاستقلال لا يعني انفصال القضاء عن المجتمع، أو تجاهل همومه، وإنما يعني عدم الخضوع للصور والانطباعات المتداولة التي قد تحجب حقيقة القضية!

لذلك، فإن القاضي لا يبني حكمه في القضية على ما يشيع بين الناس، أو تروجه وسائل الإعلام، بل على الأدلة والوقائع الثابتة في ملف الدعوى، و وفق معايير قانونية موضوعية.. وبهذا المنهج، يؤدي القضاء وظيفة معرفية عليا، تتجاوز مجرد الفصل في النزاع؛ فهو يعيد فصل الطبقات المتداخلة عن بعضها، ف يضع حدود فاصلة بين ما هو "دليل" وما هو "انطباع"، وبين ما هو "واقعة" وما هو "تفسير اجتماعي" لها، وبين ما هو "مجرد حشد للراي العام" وبين ما هو "حقيقة قضائية".

وبناءًا عليه، تكون مهمة القضاء، هي إعادة تنظيم حقيقة القضية داخل المجتمع، فيضع حدًا للفوضى التأويلية التي تنتجها عمليات صخب وحشد الراي العام.. صحيح أن القضاء لا يستطيع منع تشكل الشائعة داخل الرأي العام قبل وصول القضية إليه، كما لا يستطيع منع إستمرار الضجيج بعد صدور الحكم، لكنه يستطيع، حسم الخلاف حول الحقيقة القانونية للقضية؛ كمرجعية لا تقبل التأويل!

وفي المحصلة:
الحقيقة تُكتشف من حكم القضاء، وإن كانت تُصنع من صخب الرأي العام، فقد يكون تكرار تداول الشائعات وانتشارها يؤدي الى ما يشبه بالحقيقة المتداولة، رغم افتقارها إلى أساس معرفي راسخ.. وهذا لا يقتصر على قضية بعينها، بل يمثل آلية متكررة في تَشكُل الرأي العام في أغلب قضايا المجتمع.. وفي مواجهة هذا الطوفان، يظل القضاء هو الحصن الأخير، ليس لأنه يمتلك الحقيقة المطلقة دائمًا، بل لأنه يمتلك منهجية مضمونة للوصول إليها، فهو البوصلة التي تعيد الأمور إلى نصابها، لتثبت للمجتمع في نهاية المطاف قاعدة راسخة خلاصتها، أن الحقيقة لا تُصنع بالتداول، بل تُكتشف بالإثبات.. وللحديث بقية!

المستشار/
صالح عبدالله المرفدي